تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٣٢٥ - فصل في الحج الواجب بالنذر و العهد و اليمين
..........
لي إن عافاه اللّه أن أحج ماشيا، فمشيت حتى بلغت العقبة، فاشتكيت فركبت، ثم وجدت راحة فمشيت، فسألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن ذلك، فقال: إني أحبّ إن كنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: معي نفقة، و لو شئت أن أذبح لفعلت، فقال: إني أحب إن كنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: أ شيء واجب أفعله؟ قال: لا، من جعل للّه شيئا فبلغ جهده فليس عليه شيء»[١].
ثم إن هذه الرواية و إن كانت واضحة الدلالة على عدم وجوب الهدي، و تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور الطائفة الأولى في الوجوب، و حملها على الاستحباب، الّا أنها ضعيفة سندا، اذ لم يثبت توثيق عنبسة بن مصعب غير وروده في اسناد كامل الزيارات، و هو لا يكفي كما ذكرناه غير مرة.
و اما الطائفة الثانية فهي لا تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور الطائفة الأولى في الوجوب، بل الأمر بالعكس، و أن الطائفة الأولى تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن اطلاق الطائفة الثانية، و النكتة في ذلك ما ذكرناه في علم الأصول، من أن الدلالة الناشئة من السكوت في مقام البيان بما أنها من أضعف مراتب الدلالات و الظهورات فيتقدم عليها كل ظهور لفظي، و بما أن دلالة الطائفة الثانية على عدم وجوب سوق الهدي ناشئة من سكوت المولى في مقام البيان، فتصلح الطائفة الأولى أن تكون بيانا على الوجوب، و هادمة للسكوت.
فالنتيجة: ان مقتضى الصناعة الفنية هو الأخذ بالطائفة الأولى الدالة على وجوب السوق دون الطائفة الثانية و الثالثة.
ثم إن الظاهر من الطائفة الأولى هو وجوب سوق البدنة، فانه مقتضى الصحيحة الأولى، و أما الصحيحة الثانية فهي و إن كانت مطلقة من هذه الناحية، الّا أنه لا بد من رفع اليد عن اطلاقها بقرينة الأولى، و حمل السوق فيها على سوق البدنة، كما أن المراد من العجز فيها أعم من التكويني و التشريعي، و هو
[١] الوسائل باب: ٨ من أبواب كتاب النذر و العهد الحديث: ٥.