تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ٣٠٤ - فصل في الحج الواجب بالنذر و العهد و اليمين
وجوب الآخر تخييريا، بل عن الدروس قدّس سرّه اختياره في مسألة ما لو نذر إن رزق ولدا أن يحجه أو يحج عنه إذا مات الولد قبل تمكن الأب من أحد الأمرين، و فيه: أن مقصود الناذر إتيان أحد الأمرين (١) من دون اشتراط كونه على وجه التخيير، فليس النذر مقيدا بكونه واجبا تخييريا حتى يشترط في انعقاده التمكن منهما.
(١) هذا الاشكال مبني على أن الوجوب التخييري هو الوجوب المتعلق بكل من البدائل، و لكن مشروطا بترك البدائل الأخرى، و على هذا فلا بد أن يكون جميع هذه البدائل مقدورا، و الّا فلا يمكن تعلق الوجوب بها و لو مشروطا. و لكن قد ذكرنا في علم الأصول أن مرد الوجوب التخييري ليس الى جعل وجوبات مشروطة بعدد البدائل مباشرة، بأن يكون وجوب كل منها مشروطا بترك الآخرين، بل مرده الى جعل وجوب واحد متعلق بالجامع الانتزاعي بينها، دون نفس البدائل، و لا يسري منه اليها ثانيا، بل السراية قهرا أمر غير معقول، لأن الوجوب أمر اعتباري و بيد الشارع يجعله حيثما أراد، و لا يعقل تحققه بدون اعتباره و جعله، و عليه فاذا جعله على شيء يستحيل أن يسري بنفسه الى غيره، و على هذا فما ذكره الشهيد قدّس سرّه في الدروس من المثال، فلا مانع من الالتزام بصحة النذر فيه، باعتبار أنه تعلق بالجامع و هو مقدور.
و بكلمة أخرى: ان مرد الوجوب التخييري ان كان الى جعل وجوب واحد على الجامع بين بديلين، فلا يتوقف على أن يكون كلا البديلين مقدورا، بل يكفي كون أحدهما مقدورا دون الآخر، غاية الأمر يتعين حينئذ تطبيق الجامع على المقدور، و إن كان مرده الى جعل وجوبين مشروطين لهما، فعندئذ لا بد من أن يكون كلاهما مقدورا، و قد مر أن الصحيح هو الأول دون الثاني، و لكن الماتن قدّس سرّه قد بنى على الثاني دون الأول، بقرينة أنه اعتبر في انعقاد النذر على وجه التخيير التمكن من كلا البديلين معا.