وضو النبی - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٧٩
فموسى بن جعفر أجاب السائل بجواب يستبطن الإشارة إلى شيوع ظاهرة التعمّق في الوضوء والمبالغة في صبّ الماء إلى حد الإسراف ، وذلك ما حدا بالإمام أنّ يقدّم له مقّدمة ربّما لا ترتبط بسؤال السائل بالنظر البدوي ، لأنّ السائل طلب بيان كيفيّة الوضوء ، والإمام أجاب بقوله «لا تعمّق في الوضوء» . وفي جواب الإمام دلالة على قضيُّة مهمّة ، هي شيوع ظاهرة تكثير الغسلات وغسل الممسوحات ، فالإمام قدّم بهذه المقدّمة ليوضّح للسائل ماهيّة الوضوء وأنّه ليس كما يصوّره البعض بلطم الماء بالوجه ، وإدخاله في العين ـ كفعل ابن عمر ـ ورفع غسل اليدين إلى الابط والرجلين إلى الساق ـ كما فعل أبو هريرة ـ مدعيا أنّها من حلية المؤمن ، وعدم جواز ردّ سلام القادم ـ كما فعل عثمان ـ وما شابه ؛ فإنّ كلّ هذه من التعمّق المنهيّ عنه في الدين ، فإنه ١ لو أمر بصفق الماء بوجهه في بعض الاحيان ، فقد كانت لعلة ما ، كابعاد النعاس والبرد عن نفسه لا أنّها سنة دائمّة ومن باب التعمق في الدين .
هذا وقد حمل الفقهاء المسح ـ الوارد في ذيل هذه الرواية ـ أوّلاً على المجاز بمعنى الغسل ، ثمّ على الحقيقة ، وذلك عين الصواب .
فإنّ الإمام عبّر عن الغسل هنا بالمسح مجازا لبيان أنّ المطلوب من الوضوء هو المرّة الواحدة التي يصدق بها الغسل والطهارة الشرعيّة ، ولذلك بالغ في إجزائها فعبّر بالمسح على الذراعين ، مع قوله بالمسح على الرأس والقدمين جنبا إلى جنب كي يثبت عدم جواز المبالغة في الغسل مرتين أو ثلاثة بل لزوم الاكتفاء فيها بمرة واحدة وكالدهن ، لمن يطلق عليه المتعمّق في الدين .
وعليه فالإمام حينما قال عن غسل الوجه : «اغسله مسحا» فقد عبر بالمسح هنا مبالغة في إجزاء الغسل المأمور به وعدم إجزاء تكثير الغسلات