وضو النبی - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٤
هذه المرحلة وما بعدها جديرة بالبحث ، وخصوصا لو احتملنا تدخّل الأهواء السياسية ، أو إمكان اشتباه الصحابي أو الراوي في نقل الحديث أو اشتباهه في فهم الأحكام[٣٧] إذ وقفت على نصوص الصحابة يخطّئ البعض منهم الآخر فيها، وتراجع بعض المفتين عن آرائهم ـ لقوّة دليل الناقد وموافقة كلامه للقرآن والعقل ـ .
وهناك آراء كثيرة في الشريعة يلزم التحقيق في أطرافها والتثبّت في دلالتها ، مع كون بعضها من المسلّمات البدهيّة والتي لا يمكن التشكيك فيها ، لكنّا لو عرضناها على القرآن وقيست بحوادث تاريخيّة وروايات أخرى لدلّت نفسها على نفسها بأنّها قابلة للتشكيك ، وإنّا على ثقة لو أنّ تلك الأدلّة والشواهد طرحت على صاحب الرأي أو ناقل الحديث لأمكن رجوعه عن رأيه كما فعل ذلك كبار الصحابة والتابعين ، أمّا ترك مناقشة الروايات ودراستها بل اعطاء جميع الأحاديث الصحاح هالة من التقديس ولزوم التعبّد بها ، ثمّ اختلاق التأويلات لها ، فهو ممّا يأباه الوجدان ولا يقبله الشرع والعقل .
وقد نقل الإمام مسلم بن الحجّاج القشيري النيسابوري في مقدّمة صحيحه عن محمّد بن سيرين ، أحد فضلاء التابعين ، في معرض حديثه عن الفتنة : « لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلمّا وقعت الفتنة ، قالوا : سمّوا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم»[٣٨] ، وهذا يؤكد لنا ضرورة دراسة شخصيات هذه الفترة على وجه الخصوص[٣٩] .
[٣٧] راجع كتاب «الإنصاف في بيان سبب إختلاف الصحابة» ، للدهلوي .
[٣٨] صحيح مسلم ١ : ١٥ .
[٣٩] غير مذعنين لما أقره بعض الكتاب بأن عبدالله بن سبأ هو الذي أوقع الأختلاف بين المسلمين ، إذ كيف يمكن ليهودي أسلم متأخرا في زمان عثمان أن يؤثر إلى هذا المدى على صحابة اجلاء ويخدعهم كأبي ذر ، الذي قال فيه رسول الله ٠ : ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر سنن الترمذي ٥ : ٦٦٩ ح ٣٨٠٢ ، مسند أحمد ٥ : ١٩٧ ح ٢١٧٧٢ ، و ٦ : ٤٤٢ ح ٢٧٥٣٣ .
أو كعمّار الذي قال عنه ٠ الذي قال عنه ٠ : إنّ عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه (حلية الأولياء ١ : ١٤٠ ، وعنه في كنز العمال ١١ : ٣٣١ ح ٣٣٥٤١) .
وهل يصح أنّ نجعل عبدالله بن مسعود ذلك الصحابي الذي مسح رسول الله صلیاللهعلیهوآلهوسلم على رأسه وقال : إنّك غلامٌ معلم ، من الذين تأثروا بابن سبأ .
وما معنى فتوى عائشة : اقتلوا نعثلاً فقد كفر ، وهل يجوز الافتاء بقتل صحابي مسلم وخليفة كعثمان ؟ !
وإن ارتضينا أنّ هؤلاء من أتباع ابن سبأ وقد انخدعوا بكلامه ، فماذا يمكننا أنّ نقول عن موقف الداهية عمرو بن العاص الذي كان يؤلب الناس على عثمان (أنساب الأشراف ٦ : ١٩٢ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٥٥ البداية والنهاية ٧ : ١٧٠) .
وكيف يعقل أن يسكت عثمان عن شخص يهودي كابن سبأ وهو يراه يولب الناس ضده ؟ مع أنّه نفى أبو ذر إلى الربذة وضرب عمار بن ياسر حتى أصابه الفتق .
وماذا نفعل بالمجهزين على عثمان وفيهم الكثير ممن شهدوا بدرا ، وبرسالة من بالمدينة من أصحاب محمّد إلى من بالامصار وقولهم : إن أردتم الجهاد فهلموا إليه فإن دين محمد قد أفسده خليفتكم فأقيموه ، وفي تاريخ الطبري ٣ : ٤٠٠ ـ ٤٠١ : كتب من بالمدينة من أصحاب النبي إلى من بالآفاق منهم إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزّوجلّ تطلبون دين محمد فإن دين محمد قد أفسد من خلفكم وترك فهلموا فأقيموا دين محمد الخ .
وباعتقادي يمكن عزو اختلافات المسلمين إلى تصرفات عثمان وسوء سيرته وتقريبه عشيرته وقبيلته ممّا ادى إلى نقمة الصحابة عليه ، وكذا احتضانه لرجال مغمورين كحمران بن أبان لا كما اختلقوه من ادوار لعبدالله بن سبأ النازح الغريب الذي لا تسنده عشيرة وقبيلة في الحجاز ، إذ كيف يُسمح لهذا الغريب أن يخالف خليفة المسلمين في آرائه .