وضو النبی - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٠٧
جهودهم المتواصلة لم يوفّقوا لاحتواء الإمامين جعفر الصادق وأبي حنيفة . أمّا الإمام مالك فقد تعاون مع السلطة ودخل في سلكها بعد الفتنة والإطاحة بثورة النفس الزكيّة وأخيه إبراهيم فدوّن لها الموطّأ ، ونحن نعلم بأنّ الإمام مالكا ـ وقبل توجّه الحكومة إليه ـ لم تكن له تلك المكانة ، وانّ والده أنس بن مالك بن أبي عامر لم يكن معروفا عند العلماء ولم يفصح التاريخ بشيء من حياته ولا تاريخ وفاته ، بل كلّ ما كان يقال عنه بأنّه أخو النضر ، وذلك لشهرة النضر بن أنس أخو مالك ، وهو الذي روى عن ابن عبّاس .
أمّا الإمامان الصادق وأبو حنيفة فلم يُثنِهما المنصور عمّا رسماه لنفسيهما وهو مقاطعة السلطة ، لكنّ الحكّام تمكّنوا ـ بمرور الأيّام ـ من احتواء نهج الإمام أبي حنيفة بتقريبهم الإمام أبي يوسف ومحمّد بن الحسن الشيبانيّ والحسن بن زياد اللولويّ ، وإناطة القضاء والإفتاء بهم . وكان ذلك بالطبع بعد وفاة أبي حنيفة ، لكنّهم رغم كلّ المحاولات لم يتمكنوا من اختراق صفوف الشيعة لتولي عدول من أهل البيت شؤون قيادتهم ، فكانوا ينفون عن فكرهم بدع المبدعين . وإنّ سياسة العصيان المدني الذي رسمه الأئمّة وأرشدوا إليه شيعتهم في الخروج عن طاعة السلطان الفاجر وتأكيدهم على عدم جواز المرافعة إلى الحكّام والركون إليهم ، وقولهم : «الفقهاء أُمناء الرسل ، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم»[٨٢٧] ، ودعوتهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رغم الرقابة المشدّدة عليهم ، كلّها سبل هادفة لتوعية الأُمة واطلاعها على الحقيقة ، إذ إنّ عدم التعاون
[٨٢٧] تهذيب الكمال ٥ : ٨٨ / الترجمة ٩٥٠ للصادق ١ ، سير أعلام النبلاء ٦ : ٢٦٢ / الترجمة ١١٧ ، تاريخ المدينة ، للسخاوي ١ : ٢٤٢ / الترجمة ٧٧٧ .