وضو النبی - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٩٨
لكنّا نرجّح أن يكون ـ هذا الطلب مضافا إلى ما قيل ـ كان يخضع إلى عامل سياسيّ آخر ، أملته عليهم الظروف السياسيّة الحاكمة آنذاك ، خصوصا بعد قيام النفس الزكيّة في المدينة وأخيه إبراهيم في البصرة ، فالمنصور قد شدّد سياسته ضد العلويين بعد الظفر بمحمد وأخيه إبراهيم ، وإنّك ستقف لاحقا على نماذج من تلك السياسة المبتنية على الرعب والإرهاب وأساليب كشف المخالفين والمناوئين وفق عباداتهم وفقههم .
وبذلك يحتمل أن يكون طلب المنصور من مالك تدوين السنّة جاء لتأصيل الفقه والحديث وتوحيد العلم ، وإبعاد فقه الطالبيّين عن مجريات الأحداث واعتبار آرائهم شواذّ من بين الآراء .
هذا والمعروف انّ مالكا قد وضع الموطّأ ، وما كان يفرغ منه حتّى مات المنصور[٨١١] ، أي أنّه ألّفه في أواخر عهد المنصور .
موقف آخر
ولتصوير ما كان يمر به أئمّة أهل البيت من محن ، ولبيان ملابسات صدور الأخبار منهم في الوضوء وفي غيره ، كان علينا توضيح الاجواء السياسية آنذاك أكثر .
جاء في غالب كتب التاريخ أنّ سفيان الثوريّ لقي المنصور بمنى سنة ١٤٠ أو ١٤٤ واعترض على إسراف المنصور وتبذيره
فقال له المنصور : فإنما تريد أن أكون مثلك ؟
فقال الثوريّ : لا تكن مثلي ، ولكن كن دون ما أنت فيه ، وفوق ما أنا فيه .
[٨١١] أنظر : حياة مالك ، لأبي زهرة : ١٨٠ ، ترتيب المدارك ١ : ١٩٢ .