وضو النبی - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٨٥
سياسيّة جديدة تواكب المرحلة .
وبهذا عرفنا : أنّ الحركة العلميّة في العهد العبّاسيّ لم تكن خالصةً لنشر العلم والدين ، بل كانت تستبطن أمرا سياسيّا كذلك ، وأن دور الخلفاء وسعيهم لاحتواء الفقهاء والمحدّثين والقرّاء والشعراء كان ملحوظا فيه الجانب السياسيّ وتطبيق الأهداف التي ترسمها الحكومة في الشريعة .
النفس الزكيّة والمنصور
إنّ استفادة الحكّام من الشريعة لمصلحة الحكم والنظام لم تكن وليدة ساعتها ، بل هي خطّة رُسِمتْ أُصولها وبذرت نواتها في أواخر عهد الشيخيين ، وأثمرت في العهد الأمويّ وأينعت في العهد العبّاسيّ ؛ ومن يقرأ رسالة محمّد (النفس الزكيّة) إلى المنصور يؤمن بأنَّ النزاع بينهم كان في المفاهيم الدينية ، وأنّ محمّدا كان يدّعي أنَّه أحقّ بالأمر ، لأنّه هو من الآل ، فقد جاء في جواب محمّد (النفس الزكيّة) على رسالة المنصور التي أعطاه فيها الأمان :
(فإنّ الحقّ حقّنا ، وإنّما ادّعيتم هذا الأمر بنا ، وخرجتم له بشيعتنا ، وحظيتم بفضلنا ، وإنّ أبانا عليّا كان الوصيّ ، وكان الإمام ، فكيف ورثتم ولايته وولدُه أحياء ؟) .
ثمّ افتخر على المنصور بانتسابه إلى فاطمة بنت رسول الله ، وإلى خديجة أُمّ المؤمنين ، وإلى الحسن والحسين سبطي رسول الله صلیاللهعلیهوآلهوسلم -
وسَخِرَ من الأمان الذي عرضه المنصور عليه ؛ إذ عَرف بأنّ المنصور ينكُثُ العهود والمواثيق ، لأنّه كان قد أعطى البيعة لمحمّد بن عبدالله مرّتين ثم نكث بها ، إحداهما بمكّة في المسجد الحرام ، والأُخرى عندما خرج من بيته آخذا المنصور