تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٩٨ - ودع ودع
أَخُوهُ في لَيْلَةٍ، و تَقَلَّدَهَا، فأَصْبَحَ هَبَنَّقَةُ، و رَآهَا فِي عُنُقِهِ فقَالَ: أَخِي، أَنْتَ أَنَا، فمَنْ أَنَا، فضُرِبَ بحُمْقِه المَثَلُ ، فقالُوا: «أَحْمَقُ مِنْ هَبَنَّقَةَ» ، قالَ الفَرَزْدَقُ يَهْجُو جَرِيرًا:
فَلَوْ كانَ ذَا الوَدْعِ بنَ ثَرْوَانَ لالْتَوَتْ # بهِ كَفُّهُ أَعْنِي يَزِيدَ الهَبَنَّقَا
و وَدَعَه ، كوَضَعَهُ وَدْعاً ، و وَدَّعَهُ تَوْدِيعاً بمَعْنًى واحِدٍ، الأَوَّلُ رَواهُ شَمِرٌ عَنْ مُحارِبٍ.
و الاسْمُ الوَدَاعُ ، بالفَتْحِ، و يُرْوَى بالكَسْرِ أَيْضاً، و بِهِمَا ضَبَطَه شُرّاحُ البُخَارِيِّ فِي حَجَّةِ الوِداعِ ، و هُوَ الواقِعُ فِي كُتُبِ الغَرِيبِ، قالَهُ شَيْخُنا، و هُوَ أَي الوَداعُ : تَخْلِيفُ المُسَافِرِ النّاسَ خافِضِينَ وادِعِينَ ، و هُمْ يُوَدِّعُونَه إِذا سافَرَ، تَفاؤلاً بالدَّعَةِ الَّتِي يَصِيرُ إِلَيْهَا إِذا قَفَلَ، أَي: يَتْرُكُونَه و سَفَرَه ، كَما فِي العُبَابِ، قالَ الأَعْشَى:
وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ # و هَلْ تُطِيقُ وَدَاعاً أَيُّهَا الرَّجُلُ [١]
و قالَ شَمِرٌ: التَّوْدِيعُ يَكُونُ لِلْحَيِّ و لِلْمَيِّتِ، و أَنْشَدَ لِلَبِيدٍ يَرْثِي أَخاهُ:
فوَدِّعْ بالسَّلامِ أَبا حُرَيْزٍ # و قَلَّ وَدَاعُ أَرْبَدَ بالسَّلامِ [٢]
و قالَ القَطامِيُّ:
قِفِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يا ضُبَاعَا # و لا يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكَ الوَدَاعَا
أَرادَ: و لا يَكُنْ مِنْكِ مَوْقِفُ الوَداعِ ، ولْيَكُنْ مَوْقِفَ غِبْطَةٍ و إِقَامَةٍ، لأَنَّ مَوْقِفَ الوَداعِ يَكُونُ مُنَغِّصاً من [٣] التَّبارِيحِ و الشَّوْقِ، و قالَ الأَزْهَرِيُّ: التَّوْدِيعُ و إِنْ كَانَ أَصْلُه تَخْلِيفَ المُسَافِرِ أَهْلَه و ذَوِيهِ وادِعِينَ ، فإِنَّ العَرَبَ تَضَعُهُ مَوْضِعَ التَّحِيَّةِ و السَّلامِ؛ لأَنَّه إِذا خَلَّفَ دَعَا لَهُمْ بالسَّلامَةِ و البَقَاءِ، و دَعَوْا لَه بمِثْلِ ذََلِكَ، أَلاَ تَرعى أَنَّ لَبِيدًا قالَ فِي أَخِيهِ و قَدْ ماتَ:
فَودِّعْ بالسَّلامِ أَبا حُرَيْزٍ
أَرادَ الدُّعاءَ لَهُ بالسَّلام بَعْدَ مَوْتهِ، و قَدْ رَثاهُ لَبِيدٌ بهََذَا الشِّعْر، و وَدَّعَه تَوْدِيعَ الحَيِّ إِذَا سافَرَ، و جائِزٌ أَنْ يَكُونَ التَّوْدِيعُ : تَرْكَه إِيّاهُ في الخَفْضِ و الدَّعَةِ ، انْتَهَى. و مِنْهُ قَوْلهُ تَعالَى: مََا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مََا قَلىََ [٤] بالتَّشْدِيدِ [٥] ، أَي: ما تَرَكَكَ مُنْذُ اخْتَارَكَ و لا أَبْغَضَكَ مُنْذُ أَحَبَّكَ، و مِنْهُ ١٦- حَدِيثُ أَبِي أَمَامَةَ عِنْدَ رَفْعِ المائِدَةِ «غَيْرَ مَكْفُورٍ و لا مُوَدَّعٍ و لا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا» . و قِيلَ: مَعْنَاهُ: غيرُ مَتْرُوكِ الطَّاعَةِ.
وَدُعَ الشَّيْءُ، ككَرُمَ وَ وَضَعَ ، وَدْعاً ، وَدَعَةً ، و وَداعَةً فهُوَ وَدِيعٌ و وادِعٌ ، سَكَنَ و اسْتَقَرَّ و صارَ إِلَى الدَّعَةِ ، كاتَّدَعَ تُدْعَةً بالضَّمِّ، و تُدَعَةً ، كهُمَزَةٍ، و اقْتصَرَ الجَوْهَرِيُّ عَلَى اللُّغَةِ الأُولَى، أَي: وَدُعَ ، ككَرُمَ، و زادَ: و وادِعٌ أَيْضاً، أَي:
ساكِنٌ، مثل: حَمُضَ فَهُوَ حامِضٌ، يقالُ: نَالَ فلانٌ المَكَارِمَ وادِعاً ، أَي: مِنْ غَيْرِ كُلْفَة، و أَنْشَدَ ابْنُ بَرِّيّ لسُوَيْدٍ اليَشْكُرِيِّ:
أَرَّقَ العَيْنَ خَيالٌ لَمْ يَدَعْ # مِنْ سُلَيْمَى ففُؤادِي مُنْتَزَعْ
أَي لَمْ يَتَّدِعْ ، و لم يَقَرَّ، و لَم يَسْكُنْ، و في اللِّسَانِ: و عَلَيْه أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ بَيْتَ الفَرَزْدَق:
و عَضُّ زَمَانٍ يا بْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ # مِنَ المالِ إِلاّ مُسْحَتٌ أَو مُجَلَّفُ
فمَعْنَى لَمْ يَدَعْ : لَمْ يَتَّدِعْ و لم يَثْبُتْ، و الجُمْلَةُ بَعْدَ «زَمان» في مَوْضِعِ جَرٍّ؛ لِكَوْنِهَا صِفَةً له، و العائِدُ مِنْهَا إِليه مَحْذُوفٌ، للعِلْمِ بموضِعِه، و التَّقْدِيرُ فِيهِ: لَمْ يَدَعْ فِيهِ، أَو لأجْلِهِ مِنَ المالِ إِلاّ مُسْحَتٌ أَوْ مُجَلَّفُ» فيَرْتَفِعُ مُسْحَتٌ بفِعْلِه، و مُجَلَّفٌ: عَطْفٌ عليه، و قِيلَ: مَعْنَى لَمْ يَدَعْ : لَمْ يَبْقَ، و لَمْ يَقَرَّ، و قِيلَ: لَمْ يَسْتَقِرَّ، و أَنْشَدَ سَلَمَةُ: «إِلاّ مُسْحَتاً أَو مُحَلَّفُ» أَي: لم يَتْرُكْ مِن المالِ إِلاّ شَيْئاً مُسْتَأْصَلاً هالِكاً، أَو مُجَلَّفٌ كَذََلِكَ، و نَحْو ذََلِكَ، رَواهُ الكِسَائِيُّ و فَسَّرَه.
و المَوْدُوعُ : السَّكِينَةُ يُقَالُ: عَلَيْكَ بالمَوْدُوعِ ، أَي:
السَّكِينَةِ و الوَقَارِ، و لا يُقَالُ مِنْهُ: وَدَعَهُ ، كما لا يُقَالُ مِنَ
[١] ديوانه ص ١٤٤.
[٢] ديوانه ص ١٣٤.
[٣] التهذيب و اللسان: منعصاً بما يتلوه من التباريح.
[٤] سورة الضحى الآية ٣.
[٥] قرأ عروة بن الزبير ما ودعك بالتخفيف و سائر القراء بالتشديد، و المعنى فيها واحد، أي ما تركك، قاله في التهذيب.