تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٦٠ - قرع قرع
و «لَجَّ» جِنَاسٌ، و منه قَوْلُ الشّاعِرِ:
أَخْلِقْ بِذِي الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَى بحَاجَتِهِ # و مُدْمِنِ القَرْعِ للأَبْوَابِ أَن يَلِجَا [١]
و قَرَعَ رَأْسَهُ بالعَصَا: ضَرَبَه كفَرَعَه، بالفَاءِ.
و قَرَعَ الشّارِبُ جَبْهَتَهُ بالإِناءِ: إِذا اشْتَفَّ ما فِيهِ يعنِي أَنَّهُ شَرِبَ جَمِيعَ ما فِيهِ، و هو مَجَازٌ، ١٧- و في حَدِيثِ عُمَرَ-رضِيَ اللََّه عَنْه -أَنَّهُ «أَخَذَ قَدَحَ سَوِيقٍ، فشَرِبَهُ حَتَّى قَرَعَ القَدَحُ جَبِينَهُ» . أَي: ضَرَبَه، يَعْنِي شَرِبَ جَمِيعَ ما فِيهِ، و قَالَ الشّاعِرُ:
كَأَنَّ الشُّهْبَ في الآذَانِ مِنْهَا # إِذا قَرَعُوا بحَافَتِهَا الجَبِينَا
و قَرَعَ الفَحْلُ النَّاقَةَ يَقْرَعُها قَرْعاً و قِرَاعاً ، بالكَسْر ، و كذََلِكَ قَرَعَ الثَّوْرُ البَقَرَةَ يَقْرَعُهَا قَرْعاً و قِرَاَعاً ، بالكَسْرِ، أَي ضَرَبَا. و القِرَاعُ : ضِرَابُ الفَحْلِ. نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ.
و من المَجَازِ: قَرَعَ فُلانٌ سِنَّهُ ، إِذا حَرَقَه نَدَماً ، و أَنْشَدَ أَبُو نَصْرٍ:
و لَوْ أَنِّي أَطَعْتُكَ في أُمُورٍ # قَرَعْتُ نَدَامَةً من ذاكَ سِنِّي [٢]
قُلْتُ: الشِّعْرُ للنَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ، و يُرْوَى: «أُطِيعُك» و يُنْشَدُ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ-رضِيَ اللََّه عَنْه-:
مَتَى أَلْقَ زِنبَاعَ بنَ رَوْحٍ ببَلْدَةٍ # لِيَ النِّصْفُ مِنْهَا يَقْرَعِ السِّنَّ مِنْ نَدَمْ
لأَنَّه عَشَرَ ذَهَبَةً كان أَلْقَمَهَا شَارِفاً له، و كان زِنْباعٌ يَنْزِلُ بمَشَارِفِ الشّامِ في الجَاهِلِيَّةِ، و يَعْشُرُ من مَرَّ به، و يُقال:
إِنَّهُ دَخَلَ عَليْهِ في خِلافَتِه، و قد كبِرَ و ضَعُفَ، و مَعَهُ ابنُه رَوْحٌ، فَمَارَهُمَا.
و قال تَأَبَّط شَرًّا:
لَتَقْرَعَنَّ عَلَيَّ السِّنَّ من نَدَمٍ # إِذا تَذَكَّرْتَ يَوْماً بَعْضَ أَخْلاقِي
و المُقَارَعَةُ : المُسَاهَمَةُ، و يُقَالُ: قارَعُوه فَ قَرَعَهُمْ ، كنَصَرَ: غَلبَهُمْ بالقُرْعَةِ أَي أَصابَتْهُ القُرْعَةُ دُونَهُم.
و قالَ الحارِثُ بنُ وَعْلَةَ الذُّهْلِيُّ:
و زَعَمْتُمُوا أَنْ لا حُلَومَ لَنَا # إِنَّ العَصَا قُرِعَتْ لِذِي الحِلْمِ
أَيْ إِنَّ الحَلِيمَ إِذا نُبِّهَ انْتَبَه ، كما في الصّحاح. قلتُ:
و هو قولُ الأَصْمَعِيِّ، و قال ثَعْلَبٌ: المَعْنَى إِنَّكُمْ زَعَمْتُم أَنَّا قد أَخْطَأْنَا، فقد أَخْطَأَ العُلَمَاءُ قَبْلَنَا.
و اخْتَلَفُوا في أَوَّل مَن قُرِعَتْ له العَصَا فقَالَ ابنُ الأَعْرَابِيِّ: هو عامِرُ بنُ الظَّرِبِ بنِ عَمْرِو بنِ عِيَاذِ ابن يَشْكُرَ بنِ عَدْوَانَ بنِ عَمْرِو بنِ قَيْسِ عَيْلاَنَ، أَو قيْسُ بنُ خالدِ بن ذِي الجَدَّيْنِ، هََكَذَا تقولُ رَبِيعَةُ، أَو عَمْرُو بنُ حُمَمَةَ الدَّوْسِيُّ، هََكَذَا تَقُولُ تَمِيم، أَو عَمْرُو بنُ مَالِكٍ. و في الصّحاحِ: و أَصْلُه أَنَّ حَكَماً من حُكّامِ العَرَبِ عاشَ حَتَّى أُهْتِرَ، فقَالَ لابْنَتِه: إِذا أَنْكَرْتِ من فَهْمِي شَيْئاً عندَ الحُكْمِ فاقْرَعِيِ ليَ المِجَنَّ بالعَصَا لأَرْتَدِعَ، قالَ صاحِبُ اللِّسَانِ: هََذَا الحَكَمُ هو عَمْرُو بنُ حُمَمَةَ الدَّوْسِيُّ، قَضَى بين العَرَب ثلاثَمائةِ سَنَة، فلَمَّا كبِرَ أَلْزمُوه السابِعَ مِنَ وَلَدِه يَقْرَعُ العَصَا إِذا غَلِطَ في حُكُومَتِه.
و قالَ الصّاغَانِيُّ: كان حُكّامُ العَرَبِ من تَمِيم في الجَاهِلِيَّةِ: أَكْثَمَ بنَ صَيْفِيّ، و حاجِبَ بنَ زُرَارَةَ، و الأَقْرَعَ بنَ حابِسٍ-رضِيَ اللََّه عنه-و رَبِيعَةَ بنَ مُخَاشِنٍ، و ضَمْرَةَ بنَ ضَمْرَةَ. و حُكَّامُ قَيْس: عَامرَ بنَ الظَّرِبِ، و غيْلاَنَ بن سَلَمَة الثَّقَفِيَّ؛ و حُكَّامُ قُرَيْشٍ: عَبْدَ المُطَّلِبِ و أَبَا طالِبٍ و العَاصَ بنَ وَائِلٍ، و كانَتْ لا تَعْدِلُ بفَهْمِ عامِرِ ابنِ الظَّرِب فَهْماً، و لا بحُكْمِه حُكْماً، يُقَال: لَمَّا طَعَنَ عامرٌ في السِّنِّ، أَوْ بَلَغَ ثَلاثَمائةِ سَنَةٍ، أَنْكَرَ من عَقْلِهِ شيْئاً، فقالَ لِبَنِيه : إِنَّه كبِرَتْ سِنِّي، و عَرَضَ لي سَهْوٌ، ف إِذا رَأَيْتُمونِي خَرَجْتُ مِنْ كلامِي، و أَخَذْتُ في غَيْرِه، فاقْرَعُوا ليَ المِجَنَّ بالعَصَا ، و قِيلَ: كانَتْ له ابنَةٌ يُقَالُ لها: خُصَيْلَةُ، فَقَالَ لهَا: إِذَا أَنا خُولِطْتُ فاقْرَعِي ليَ العَصَا، فأُتِيَ عامرٌ بخُنْثَى ليَحْكُمَ فيهِ، فلم يَدْرِ ما الحُكْمُ، فجَعَلَ يَنْحَرُ لهم، و يُطْعِمُهم، و يُدَافِعُهم بالقَضَاءِ، فقالَت خُصَيْلَةُ: ما شَأْنُك؟قد أَتْلَفْتَ مَالَكَ، فخَبَّرَها أَنَّه لا يَدْرِي ما حُكْمُ الخُنْثَى؟فقَالَتْ: أَتْبِعْهُ
[١] نسبه بحواشي المطبوعة الكويتية الى محمد بن بشير، و ينسب الى محمد بن حازم أيضاً.
[٢] البيت للنابغة الذبياني، في ديوانه ص ٢٠٠ برواية.
و لو أني أطيعك في أمور # عضضت أناملي و قرعت سني.