نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠ - الشرح والتفسير دور الأنبياء عليهم السلام في هداية الأمم
والْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَة [١]. خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَاسْتَعْبَدَ الأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ، وسَادَ
الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ».
لا شك في أنّ الرؤية والمشاهدة تختص بالأجسام، واللَّه أسمى من الجسميّة، والتعب والإرهاق أثر القيام بالأعمال من شؤون الأفراد ذوي القدرة المحدودة، وليس لها من سبيل إلى من كانت جميع صفاته لامتناهيّة في خلقه لما يشاء، فخلق هذا العالم أهون عليه من رؤيتنا لبعضنا خلال لحظة، كما ليس لمقتدر من قدرة أمام اللَّه، فهو القادر على فناء كلّ شيء بعاصفة أو صاعقة أو زلزلة أو سيل جارف.
العبارة:
«وسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ»
إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة أنّ عظمة الإنسان في جوده وكرمه فكلما كانت كرمه أكبر كان عظمته كذلك، ولكن بما أنّ جميع نعم الأرض والسماء من اللَّه الذي بسط مائدته لتشمل الجميع فهو أعظم من كلّ عظيم.
ثم أشار إلى جانب من صفاته سبحانه في خلق الإنسان والهدف من هذه الخلقة وطُرق الأنبياء عليهم السلام في التربية والتعليم فقال:
«وهُوالَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ والْانْسِ رُسُلَهُ».
ثم تطرق إلى الهدف من بعثة الأنبياء ليوجزها في عدّة أمور فقال:
«لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا، ولِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، ولِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا، ولِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا».
أجل، فزخارف الدنيا ومتاعها غفلة وعيشها نكد ومالها ومقامها ضلالة، ومن هنا كان أحد المبادىء الأساسيّة للأنبياء تحذيراتهم المتكررة للإنسان بغية عدم الغفلة عن الهدف الأساسي للخلقة وعدم الاستغراق في هذه الدنيا واتخاذها قنطرة إلى الآخرة وعدم الركون إلى الإقامة فيها فهي ليست إلّامنزل يتوقف فيه الإنسان لليلة.
ثم واصل عليه السلام كلامه بالاشارة إلى سائر أهداف الأنبياء فقال:
«ولِيَهْجُمُوا [٢] عَلَيْهِمْ
[١]. «منصبة» مصدر ميمي من مادة «نصب» على وزن «غضب» بمعنى التعب، وللمصدر هنا معنى اسم المصدر.
[٢]. «يهجموا» من مادة «هجوم» بمعنى الدخول أو الحملة غفلة ويراد بها في بعض الموارد القوّة.