نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٤ - الشرح والتفسير فضل الإسلام
والطاعة، ذلك لأنّ الطاعة والتقوى إنّما تتحصل في ظلّ التبعية لهذا الدين. فتحدث بادئ الأمر عن إحدى عشرة صفة من صفات الإسلام العظيم فقال:
«ثُمَّ إِنَّ هذَا الْاسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، واصْطَنَعَهُ [١] عَلَى عَيْنِهِ، وأَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ،
وأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ».
فقد بيّن في هذه الصفات الخمس الأُولى الأركان الأصلية لهذا الدين المقدّس والذي انفرد اللَّه تعالى بتشريعه بمنتهى الدقّة، وتولى إبلاغه أفضل خلق اللَّه النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله واستندت دعائمه على أساس حبّ اللَّه.
العبارة:
«اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ»
إشارة إلى أنّ الطريق الذي يؤدّي إلى القرب الإلهي يقتصر على الدين الإسلامي الحنيف: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْاسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» [٢].
والعبارة:
«واصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ»
تقال في الأمور التي يكون الشخص حاضراً وناظراً حين الإتيان بها وبعبارة أخرى تتم أمام عينيه. وأمّا بشأن اللَّه فهي كناية عن نهاية عنايته ومراقبته له، قال القرآن الكريم بشأن موسى عليه السلام: «وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي» [٣].
والعبارة:
«أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ»
(بالنظر إلى عودة الضمير في محبته إلى اللَّه) إشارة إلى أنّ الإسلام بني على المحبّة وهذه إحدى افتخاراتنا في أنّ ديننا بني على أساس الحبّ، ولذلك جاء في الرواية:
«هَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبِّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ:
«قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ»» [٤].
وعلى هذا الضوء فإنّ أساس هذا الدين محبّة العباد للَّهمن جانب، وحبّ اللَّه للعباد من جانب آخر، ثمّ واصل كلامه بالإشارة إلى ست صفات أخرى فقال:
«أَذَلَّ الأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ، ووَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ، وأَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ، وخَذَلَ مُحَادِّيهِ [٥] بِنَصْرِهِ،
[١]. «اصطنع» من مادة «اصطناع» على وزن افتعال بمعنى التحضير والتنمية والتكبير لشيء.
[٢]. سورة آل عمران، الآية ٨٥.
[٣]. سورة طه، الآية ٣٩.
[٤]. بحار الأنوار، ج ٦٦، ص ٢٣٧، ح ٥. والآية الواردة في النص هي، الآية ٣١ سورة آل عمران.
[٥]. «محادّي» من «محادّة» بمعنى المخالفة والعداوة ومادته الأصلية «حدّ» التي تعني نهاية وطرف كلّ شيءوذلك لأنّ العدو يكون في الطرف الآخر. «محادّة» بمعنى المخالفة (جدير ذكره أنّ «محادّي» فيالأصل «محادّين» اسم فاعل صيغته الجمع وحذفت النون للإضافة).