نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٨ - الشرح والتفسير التقوى مصدر الخيرات
أُمُورِكُمْ، ومَنْهَلًا [١] لِحِينِ وُرُودِكُمْ [٢]، وشَفِيعاً لِدَرَكِ [٣] طَلِبَتِكُمْ، وجُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ،
ومَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ، وسَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ، ونَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ».
فقد شخص الإمام عليه السلام في العبارات الثلاث الأُولى منزلة طاعة اللَّه في وجود الإنسان، فشبهها بادىء الأمر بالشعار الذي يعني مايلي البدن من الثياب لا الدثار الذي يعني الثياب الخارجية التي تقتصر على الرياء والاهتمام بالظاهر، ثم غاص أبعد من ذلك ليسحبها إلى باطن الجسم على أنّها اعمق من الشعار، ثم تعمق أكثر ليرى موضعها في القلب.
وهنا لابدّ من الإلتفات إلى أنّ العبارة «بين اضلاع» إشارة لطيفة إلى القلب، ذلك لأنّ القلب داخل الصدر وقد احيط من جميع جوانبه بالاضلاع.
جدير ذكره أنّ القلب ليس مركز الإدراكات، إلّاأنّه على صلة وثيقة بدماغ الإنسان وروحه، وكل ظاهرة تطرأ على الروح إنّما تظهر آثارها بادئ الأمر في القلب.
العبارة:
«أَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ»
إشارة إلى ضرورة سيادة أوامر اللَّه في جميع شؤون الحياة الفرديّة والاجتماعيّة والسياسيّة.
والعبارة:
«ومَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ ...»
تشير إلى أنّ المعطيات الإيجابيّة والبركات الجمة لطاعة اللَّه على الحياة الماديّة والمعنويّة للإنسان إنّما تغذي روحه، وتوصله إلى أهدافه الساميّة وتحميه ممّا يتعرض له من مشاكل، وتعد مصدر السكينة والطمأنينة في عالم البرزخ والقبر ويوم القيامة.
ثم واصل عليه السلام كلامه بالتطرق إلى علّة لزوم الطاعة فقال:
«فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَة، ومَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَة، وأُوَارِ [٤] نِيرَان مُوقَدَة».
[١]. «منهل» بمعنى المكان الذي يصلون منه إلى الماء ومن مادة «نهل» على وزن «محل» بمعنى ابتداء شربالماء.
[٢]. «ورود» تعني فيالأصل الذهاب قرب الماء، ثم اتسع معناها ليشمل الدخول في كلّ شيء.
[٣]. «درك» على وزن «سَمك» بمعنى اللحاق والوصول والتعويض عن شيء.
[٤]. «أوار» على وزن «غبار» بمعنى حرارة الشمس ولهيبها وتطلق أحياناً على العطش الناتج منه.