نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٠ - الشرح والتفسير أهوال الدنيا
وأسرجة الليل ووضوح الطرق الرئيسيّة لتزايد احتمال ضلال سالكي الطريق.
فقد شبه الإمام عليه السلام حياة الناس في الجاهليّة بالطرق العشوائيّة التي لم تنصب عليها أية علامة وسراج يضيىء الدرب، وليس لذلك من نتيجة سوى الضلال المبين للناس والذي أشار إليه القرآن الكريم بقوله: «وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلَال مُبِين» [١].
ثم واصل عليه السلام كلامه فخاطب الجميع قائلًا:
«أُوصِيكُمْ، عِبَادَاللَّهِ، بِتَقْوَى اللَّهِ، وأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوص، [٢] ومَحَلَّةُ تَنْغِيص، سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ، وقَاطِنُهَا بَائِنٌ».
وتشير هذه العبارات الأربع جميعاً إلى تقلب أحوال الدنيا وعدم استقرارها، مع إقترانها بالألم والمعاناة، والعجيب مع إتضاح دلالات تقلبها وتصرم أحوالها وكثرة خطوبها ومحنها في جميع مواضعها إلّاأنّ هنالك طائفة من الناس تراها خالدة من الناحية العمليّة وتسعى إليها بكلّ ما أوتيت من قوّة.
وعلى هذا الأساس تطرق الإمام عليه السلام إلى بيان مثال بليغ ومثير بشأن هذه الدنيا الغرور بحيث لا يمكن الإتيان بصورة أفضل منه فقال:
«تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا [٣] الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ [٤] الْبِحَارِ، فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ [٥]، ومِنْهُمُ النَّاجِي عَلَى
بُطُونِ الأَمْوَاجِ، تَحْفِزُهُ [٦] الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِها، وتَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِها، فَما غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ
بِمُسْتَدْرَك، ومَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَك!».
وتشبيه الدنيا بالبحر وسكنتها بركاب السفينة وإبان العواصف الشديدة التي لا تفضي سوى إلى الغرق قد ورد قبيل هذه الخطبة للإمام عليه السلام في مواعظ لقمان الحكيم، فقد ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام في ما روي عن لقمان الحكيم أنّه وعظ ابنه
[١]. سورة الجمعة، الآية ٢.
[٢]. «شخوص» بمعنى الظهور والطلوع أو الانتقال من محل إلى آخر وهذا هو المعنى المراد بهذه العبارة.
[٣]. «تقصفها» من مادة «قصف» على وزن «حذف» بمعنى الكسر.
[٤]. «لجج» جمع «لجّه» البحر العميق.
[٥]. «وبق» من مادة «وبق» على وزن «فقر» بمعنى الهالك صيغة «وبق» على وزن «خشن» له معنى الصفة.
[٦]. «تحفزه» من مادة «حفز» على وزن «لفظ» بمعنى الدفع قدماً والطرد.