نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٤ - الشرح والتفسير محن الرسالة
بطلب إكمال هذه النعم والتوفيق للاعتصام بحبل اللَّه، والمراد منه دين اللَّه كما يفهم من الآية الشريفة: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا» [١].
أو المراد القرآنالكريم كما يستفاد من حديث الثقلين حيث قوله:
«كِتابَ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَالسَّماءِ الَىالأَرْضِ» [٢]
أو المراد كلاهما حيث ليس هنالك من فارق بينهما.
الحقّ سنصبح أسعد الناس إن شملنا هذا التوفيق الإلهي بحيث تتمّ نعمه علينا ويقوى تمسكنا بحبل اللَّه.
وقد طرح بعض شرّاح نهج البلاغة إشكالًا مفاده: كيف يطلب الإمام عليه السلام إتمام النعمة، بينما صرّح القرآن الكريم قائلًا: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَاتُحْصُوهَا» [٣] في إشارة إلى أنّ نعم اللَّه خارجة عن حدود العد والإحصاء؟
ولكن ما ينبغي الإلتفات إليه هو أنّ لإتمام النعم مراحل ودرجات؛ فإن تعذر على الإنسان بلوغ المرحلة النهائيّة فإنّه يستطيع الوصول إلى سائر مراحلها الأخرى وهذا ما سأله الإمام عليه السلام اللَّه تبارك وتعالى.
ثم شهد عليه السلام بنبوّة النّبي صلى الله عليه و آله بذكر بعض الصفات البارزة من صفاته فقال:
«ونَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، خَاضَ إِلَى رِضْوَانِاللَّهِ كُلَغَمْرَة [٤]، وتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَغُصَّة [٥]».
وهاتان الصفتان التي بينهما الإمام عليه السلام بشأن النّبي صلى الله عليه و آله جامعتان لكلّ صفات الخير؛ فالوقوف بوجه المحن والجلد على المصائب مالم يقترن بتلك المقاومة والتحمل فإنّه لن يتمخض عن تبلور الأعمال ذات الأهميّة.
وتشير العبارة:
«تَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّة»
إلى أنّ المحن والخطوب التي تحملها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لم تكن واحدة أو اثنتين بل كان يتجرعها الواحدة تلو الأخرى.
[١]. سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
[٢]. مجمع البيان، ذيل الآية ١٠٣، سورة آل عمران، رواه أبوسعيد الخدري عن النّبي صلى الله عليه و آله.
[٣]. سورة إبراهيم، الآية ٣٤.
[٤]. «غمرة» من «غمر» على وزن «خمر» إزالة أثر الشيء ثم اطلقت الغمرة والغامر على ما ازدحم وكثر من الماء.
[٥]. «غصّة» تعني في الأصل الماء والغذاء وكل ما يحشر في الحلقوم وحيث يشعر الإنسان بأنّ شيئاً يحشر في حلقه عند الغم فقد عبّر عن ذلك بالغصّة.