نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٧ - مصير همام بعد سماع الخطبة
القاسية والملوثة والواقعة في شباك الشيطان لا تمتلك الآذان الصاغية لسماع المواعظ ولا القلب الوادع لاستيعابها.
بعبارة أخرى أنّ همام وإن كان متّقياً عالي الهمّة، لكنه لم ير في نفسه ذلك السمّو الذي بيّنه الإمام عليه السلام في هذه الخطبة، فاشتعلت في أعماقه نيران الحسرة وصعقت نفسه كمداً.
ويشهد التاريخ الإسلامي على وجود العديد من هذه النماذج من الآثمين أحياناً الذين عادوا إلى رشدهم وعدد من المتّقين الذين سمعوا مثل هذه المواعظ فلم يتحملوها وفارقوا الحياة [١].
وهنالك احتمال ثالث وهو أنّ همام لما سمع البشائر التي ذكرها أميرالمؤمنين عليه السلام للمتّقين حلقت روحه شوقاً إلى ديار المعبود لتعانق الجنان.
وجاء في الخبر أنّ «ربيع بن الخُثَيم» كان في ذلك المجلس فلما صعق همام جرت دموعه على خديه وقال لأمير المؤمنين عليه السلام ما أسرع أثر وعظك في ابن أخي ليتني كنت مكانه، فقال عليه السلام:
«هكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا!» [٢].
والجواب عن السؤال الثاني هو ما ذكره الإمام عليه السلام أنّ لكلّ إنسان أجلًا فلا يفارق الدنيا حتى يحلّ أجله، ولكن حين حلول الأجل يمكن أن يكون العامل النهائي بعض الأمور المختلفة، والعامل النهائي هنا العبارات العميقة لأمير المؤمنين عليه السلام، أضف إلى ذلك لا يمكن مقارنة روح الإمام عليه السلام بروح همام، فروح الإمام بحر متلاطم من الأمواج وليس من قبيل البركة التي تتغير أوضاعها بفعل التلاطم الشديد للمياه.
ويتّضح ممّا تقدم جواب السؤال الثالث وهو لِمَ قبل الإمام عليه السلام طلب همام وبين له تلك المواعظ الشافية والكافية والساميّة، بينما قال عليه السلام كنت أخشى عليه هذه
[١]. ذكر المرحوم العلّامة التستري في شرحه نهجالبلاغة، ج ١٠، ص ٤٥٩ نماذج منها.
[٢]. شرح نهج البلاغة للتستري، ج ١٢، ص ٤٦٢.