نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٦ - مصير همام بعد سماع الخطبة
الخطبة
«قَالَ: فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا».
«فَقَالَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: أَمَا واللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: أَهكَذَا [١] تَصْنَعُ
الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا».
«فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ!».
«فَقَالَ عليه السلام: وَيْحَكَ، إِنَّ لِكُلِّ أَجَل وَقْتاً لَايَعْدُوهُ، وسَبَباً لَايَتَجَاوَزُهُ».
ثم أضاف الإمام عليه السلام:
«فَمَهْلًا! لَاتَعُدْ لِمِثْلِهَا، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ!».
وهنا يرد هذا السؤال: لم كانت عاقبة همام تلك الصعقة بينما لم تحدّث للإمام عليه السلام الذي ساق هذا الكلام؟
لابدّ من الإلتفات في الجواب عن هذا السؤال إلى نقطة مهمّة وهي أنّ همام وإن كان رجلًا عابداً وزاهداً كما ورد في مستهل الخطبة
«كانَ رَجُلا عابِداً»
وقلبه يفيض حكمة ومعرفة وروحه مفعمة بالصفاء والنقاء (كما يتجلى ذلك من سؤاله) ولكن مهما كانت روحه ساميّة لا يمكن مقارنتها بروح أمير المؤمنين عليه السلام التي تمثّل بحراً من السمّو والكمال، ومن هنا لم يسع قلب همام تحمل كلّ تلك المفاهيم والمعارف، وهل يمكن سكب البحر في جدول صغير؟ وعليه فليس من العجب أن يصعق همام صعقة تكون نفسه فيها ويفارق الدنيا.
فقد ورد في القرآن الكريم بشأن قصة موسى وبني اسرائيل وتجلي النور الإلهي للجبل: «فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً» [٢].
فلم يقتصر الأمر على عدم تحمل موسى، بل إنهار ذلك الجبل بعظمته.
نعم! فالمواعظ التي تنطلق من القلب تستقر هكذا في القلب، والمهم أن يكون الإنسان من ذوي
«الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ»
وإلّا فالعتاة من الأفراد من ذوي القلوب
[١]. جاءت في النسخة علامة الاستفهام على رأس «هكذا»؛ لكنها لم تذكر في الكثير من النسخ القديمة وشرحنهج البلاغة وهو الأنسب.
[٢]. سورة الأعراف، الآية ١٤٣.