نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٩ - الشرح والتفسير تسع صفات أخرى
شجاعة لأنّه ينبع من موقع القوّة وليس من قبيل الاستسلام تجاه الظلم، ويعتمد البذل والعطاء تجاه من حرمه ومنعه، وهذا دليل على جوده وكرمه.
وبالتالي فهو يمد يد المصالحة والسلام لمن يقاطعه ويشمله بعونه ونجدته وهذا شجاعة وكرم.
جاء في الخبر المروي عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه قال:
«إِذا كَانَ يَومَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ أَينَ أَهلُ الفَضلَ؟ فَيَخرُجُ عُنقٌ مِنَ النّاسِ. فَتَسأَلُهُم المَلائِكَةُ: وَما كَانَ فَضلُكُم؟ فَيَقُولُونَ: «كُنّا نَصِلُ مَنْ قَطَعَنا ونُعْطى مَنْ حَرَمَنا ونَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَنا».
فَيقَولُونَ لَهُم: «صَدَقْتُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ» [١].
وقد أمرنا اللَّه تعالى في القرآن الكريم بصورة عامة وشاملة بهذا الخلق، حيث خاطب النّبي صلى الله عليه و آله قائلًا: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ» [٢].
ثم أشار الإمام عليه السلام في عبارات قصيرة وعميقة المعنى إلى ست صفات بارزة أخرى في المتّقين فقال:
«بَعِيداً فُحْشُهُ [٣]، لَيِّناً قَوْلُهُ، غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ،
مُقْبِلًا خَيْرُهُ، مُدْبِراً شَرُّهُ».
والصفات الست التي يقابل كلّ زوج فيها الآخر وتفسر بعضها البعض الآخر تشير إلى سلوكيات وتصرفات المتّقين الاجتماعيّة.
والعبارة:
«بَعِيداً فُحْشُهُ، لَيِّناً قَوْلُهُ»
إشارة إلى أنّ معاملتهم لجميع الناس تنطلق من اللسان الجميل والكلمات المفعمة بالخير والمحبّة وليس في أقوالهم وأعمالهم أي نوع من العنف والغلظة، فهم ليسوا بعيدين غاية البعد عن الفاحش من القول فحسب بل هم أبعد ما يكونون عن الفاحشين.
وقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام حين سئل عن حد حسن الخلق أنّه
[١]. الكافي، ج ٣، ص ١٤٩.
[٢]. سورة المؤمنون، الآية ٩٦.
[٣]. «فحشه» يقال لكلّ مَن تجاوز حد الاعتداء وبلغ الحد الفاحش. ولذا يقال فحشاء للأعمال والأقوال القبيحةوالمنكرة، وأخذت المفردتان فاحشة وفحشاء من هذا أيضاً.