نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٣ - الشرح والتفسير نهار المتّقين
قال القرآن بشأن السابقين في الخيرات: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا أتَوا وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ» [١].
جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد في ذيل الآية الشريفة أنّه سئل النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله: هل المراد من الآية من يذنب ويخشى الذنب؟ فقال صلى الله عليه و آله:
«لا، بَلِ الرَّجُلُ يَصُومُ ويَتَصَدَّقُ ويَخافُ أنْ لا يَقْبَلَ مِنْهُ» [٢].
ثم خاض الإمام عليه السلام في بيان علوّ همّة المتّقين فقال:
«لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ. فَهُمْ لِانْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ، ومِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ [٣]».
فعلوّ همّتهم وسمّو معرفتهم لا تدعهم يرضون بالأعمال القليلة أو يستكثرون تلك الأعمال على خلاف المغرورين ضيقي النظر الذين يرضون من أنفسهم بالقليل من العمل وكأنّهم أشرف خلق اللَّه، وبغض النظر عن ذلك فهؤلاء يتمتعون بصفة بارزة هي نقد الذات التي يفر منها أغلب الأفراد والذين لا يقبلون النقد من الآخرين وبطريق أولى لا ينتقدون أنفسهم وبذلك يهجرون الأمر الذي يؤدّي إلى سموهم وتكاملهم.
فهؤلاء يشعرون بالخشية دائماً وكأنّهم لم يؤدّوا حقّ نعمة اللَّه وهجروا طريقة عبودية اللَّه وأنّهم مسؤولون أمام خلق اللَّه.
وقد فسّر بعض شرّاح نهج البلاغة الأعمال الواردة هنا بالعبادات فقط واستشهدوا بالروايات الواردة في كثرة عبادات النّبي صلى الله عليه و آله وأمير المؤمنين عليه السلام والإمام السجاد عليه السلام. صحيح أنّ العبادات تعدّ إحدى الوظائف المهمّة للعباد، ولكن ليس لدينا أي دليل على حصر الأعمال الواردة في العبارة المذكورة بالعبادة وعدم شمولها
[١]. سورة المؤمنون، الآية ٦٠.
[٢]. شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد، ج ١٠، ص ١٤٦.
[٣]. «مشفقون» من «اشفاق» بمعنى الرغبة المقرونة بالخوف؛ يعني خائفون من التقصير في اعمالهم، كما تعني من يخشى على آخر يحبّه تعرضه لبعض الحوادث.