نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٨ - الشرح والتفسير صفات المتّقين
رئيسيّة عن طريق هاتين النعمتين أي العين والأذن، فالإنسان يرى الحقائق بعينه وبها يقرأ التاريخ، ويسمع بأذنه رسالة السماء وأئمّة الدين وتفاصيل تجارب العظماء السابقين. فهو يرتبط بجميع الأشياء من حوله بهاتين الوسيلتين بحيث لو سلبتا منه لما بقي لديه شيءٌ ولكان عقله وشعوره كعقل وشعور الصبي غير المميز، بل حتى لسانه وسائر حواسه إنّما تنشط في ظلّ سلامة هذين العضوين ومن هنا فإنّ الفرد الأصم والأعمى أخرس على الدوام وإن كان لسانه سالماً.
ورد في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام قال:
«كُلُّ عَيْن باكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ غَيْرُ ثَلاث؛ عَيْنٌ سَهِرَتْ في سَبيلِ اللَّهِ، وعَيْنٌ فاضَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وعَيْنٌ غَضَّتْ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ» [١].
وفي حديث آخر عن الإمام الحسن عليه السلام قال:
«انَّ أبْصَرَ الأبْصارِ ما نَفَذَ فِي الْخَيْرِ مَذْهَبَهُ وأسْمَعُ الْاسْماعِ ما وَعَى التَّذْكيرَ وانْتَفَعَ بِهِ» [٢].
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى صفة أخرى من صفات المتّقين والتي تتمثّل بالرضا والتسليم فقال:
«نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ [٣]».
فالنعمة لا تسكرهم ولا تبطرهم، والمصائب والخطوب لا تحزنهم ولا تجزعهم؛ فهم راضون برضا اللَّه مسلّمون لإرادته في جميع الأحوال. طبعاً أنّهم لا يتوانون في السعي لمواجهة المحن والخطوب وتوفير أسباب النعم والعيش الكريم لكنهم لا يعيشون سوى الرضا والتسليم بالنسبة لما كان خارجاً عن إرادتهم؛ ذلك لأنّهم يعلمون من جانب أنّ اللَّه حكيم ورحيم وأرحم من الأُم بولدها ولا يقدرّ سوى ما فيه مصلحة عبده المؤمن.
ويعلمون من جانب آخر أنّ الجزع إزاء الحوادث الأليمة ليس فقط لا يحلّ
[١]. الكافي، ج ٢، ص ٨٠، باب اجتناب المحارم، ح ٢.
[٢]. ميزان الحكمة، ج ٤، ص ٥٥١ نقلًا عن بحار الأنوار، ج ٧٨، ص ١٠٩.
[٣]. «رخاء» و «رخوه» تعني فيالأصل اللين والضعف وإن استعملت بشأن الحياة فإنّها تعني الحياة الهانئة.