نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٢ - الشرح والتفسير العصبية الطائشة
إشارة إلى أنّه كلّما تأمّلنا تاريخ الأسلاف والأقوام المعاصرة نخلص إلى هذه النتيجة أنّهم كانوا يمتلكون ذريعة لتعصبهم من قبيل إخفاء الحقيقة على الجهّال أو اختراق أفكار السفهاء والسذج وبالنتيجة تحقيق سلسلة من المنافع الماديّة، بينما ليس لتعصبكم أي أثر أو فائدة ويفتقر إلى أيّ دليل، سوى الكلمات البذيئة والجنونيّة والاقتتال الطائش الذي ينتهي إلى سفك الدماء، والفارق بين الجهّال والسفهاء هو أنّ الجهّال يفتقرون إلى أدنى علم بينما للسفهاء حض من علم، ومن شأن بعض الأسباب الواهيّة أن تسوق الطائفتين لتحقيق أهداف ومنافع المتعصبين والمستكبرين.
طبعاً ليس مراد الإمام عليه السلام أنّ تعصبكم معلول لعدم وجود علّة، ذلك لأنّ لكلّ شيء في العالم على ضوء النظرة الفلسفية علّة، بل المراد أنّه كان لمن سبقكم من المتعصبين بعض الذرائع الظاهريّة الخادعة، وأنّكم لتفتقرون حتى إلى هذه الذرائع، فالمتعصبين الذين خاطبهم الإمام عليه السلام كانوا يتصفون بضحالة ثقافتهم وعقائدهم الجاهليّة التي أفرزت ذلك التعصب والتي لا تصلح أن تكون ذريعة أبداً.
ثم أشار عليه السلام إلى نموذجين من التعصبات التي يبدو أنّها كانت معززة ظاهرياً ببعض الأدلة وإن لم تكن صائبة؛ أحدهما تعصب إبليس واستكباره والآخر تعصب الأثرياء المستكبرين أصحاب الثروة فقال:
«أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِاصْلِهِ، وطَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ، فَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ وأَنْتَ طِينِيٌّ».
لا شك في أنّ إبليس خلق من النار، حيث كان ينحدر من الجن الذين خلقوا من النار بينما خلق آدم من الطين والتراب، وللنار ظاهرياً نور وشعاع، بينما يمتاز الطين بالظلمة، الأمر الذي يمكن أن يكون ذريعة لإبليس في الكبر، والحال تمتاز النار بأنّها محرقة والطين باعث الحياة، أضف إلى ذلك فإنّ فضيلة آدم بفعل الروح الإلهيّة التي ولجت فيه حيث قال تعالى: «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ