نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٦ - الشرح والتفسير آفة الكبر والغرور
فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ، وآجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ، وسُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ».
ثم تطرق عليه السلام إلى السبب الجلي على هذا التحذير فقال:
«فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ [١] إِبْلِيسَ
الْعُظْمَى، ومَكِيدَتَهُ الْكُبْرَى، الَّتِي تُسَاوِرُ [٢] قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ،
فَمَا تُكْدِي [٣] أَبَداً، وَلَا تُشْوِي [٤] أَحَداً، لَا عَالِماً لِعِلْمِهِ، وَلَا مُقِلًّا [٥] فِي طِمْرِهِ [٦]».
فالأمور الثلاثة التي حذر منها الإمام عليه السلام في بداية كلامه والتي تتمثل بالبغي والظلم والكبر من قبيل اللازم والملزوم لبعضها البعض الآخر.
فالأفراد المتكبرون لا يرون سوى أنفسهم ولذلك فهم لا يرون من أهميّة لحقوق الآخرين فيرتكبون أنواع الظلم والجور والذي يعد من الشباك الخبيثة والخطيرة للشيطان والتي لا ينجومنها سوى أولياء اللَّه والصالحين من الأفراد المؤمنين.
والعبارة:
«فَمَا تُكْدِي أَبَداً ...»
إشارة إلى عموميّة هذا التحذير؛ فلا يتصور العالم أنّ بإمكانه النجاة من هذه المصيدة بما لديه من علم ومعرفة فقط، أو ينجو من آثاره شخص فقير بفقره، فكلّ شخص بدون استثناء معرض للتلوث بالبغي والظلم والكبر ستكون عاقبته سيئة ومريرة.
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى العبادات الإسلاميّة ليركز على جانب مهم منها فشرح الانعكاسات الإيجابية لهذه العبادات في القضاء على آثار الكبر والغرور وإحياء روح التواضع والبساطة فقال:
«وعَنْ ذلِكَ مَا حَرَسَ اللَّهُ [٧] عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ
[١]. «مصيدة» (بسكون الصاد وفتح الياء) وقرأها البعض بكسر الميم وتعني الفخ.
[٢]. «تساور» من «سور»، على وزن «غور» بمعنى الوثوب والمقاتلة وتعني هنا نفوذ السموم في القلوب.
[٣]. «تكدي» من مادة «كَدْى» على وزن «كسب» بمعنى البخل والحبس والتعطيل.
[٤]. «تشوي» من مادة «شىّ» على وزن «شرّ» تاتي بمعنى الطبخ أحياناً وأخرى بمعنى اليد والقدم وأطراف الجسم وإن وردت في باب الأفعال عنت تخطىء المقتل.
[٥]. «مقلّ» تعني الفقير من مادة «قليل».
[٦]. «طمر» الكساء البالي.
[٧]. اختلف الشرّاح والمفسرون في تركيب هذه الجملة «عَنْ ذلِكَ ما حَرَسَ اللَّهُ». قال ابن أبي الحديد: إنّ «ما» زائدة و «ذلك» إشارة إلى الظلم والتكبّر، وعلى هذا الضوء يصبح مفهوم الجملة أنّ اللَّه حفظ عباده من هذه الأمور الثلاثة بواسطة الصوم والصلاة والزكاة، وقال المرحوم الشارح الخوئي: إنّ «عن» هنا سببية وما مصدرية ومعنى الجملة إنّ اللَّه لهذا السبب حفظ عباده عن الكبر والغرور والظلم بواسطة الصلاة والصوم والزكاة.