نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٤ - الشرح والتفسير الدروس والعبر في بيت اللَّه
هذَا الْعَالَمِ؛ بِأَحْجَار لَاتَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ. فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ
«الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِياماً»».
فالذي يستفاد من هذه العبارة أنّ الكعبة التي هي أقدم معبد في العالم قد بنيت لأوّل مرّة في زمن آدم عليه السلام (ثم جدد بناؤها على عهد إبراهيم الخليل عليه السلام) كما يفهم أنّ بساطتها ومواد بنائها البدائيّة تهدف إلى عدم لفت انتباه الآخرين إلى جانبها وبعدها المادي، بل الاستغراق في أبعادها المعنويّة حيث بيّن عليه السلام: أنّ الكعبة تحظى بمركزية يتوجه إليها الجميع ليأتوا كلّ سنة لأداء شعائر الحجّ ومناسكه بما يؤدّي إلى تنامي شوكة المسلمين وقوّتهم وعزّتهم ووحدتهم وسمّوهم وعلوّ شأنهم ومبادئهم في مختلف الاتجاهات.
فالعبارة الواردة في كلام الإمام عليه السلام اقتباس من الآية الشريفة: ٩٧ من سورة المائدة التي تقول: «جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ».
وقد ورد
«القيام»
هنا كمصدر بمعنى اسم الفاعل أي تقويم حياة الناس من الناحية الماديّة والمعنويّة، على غرار الدعائم القوية التي يقوم عليها البيت والخيمة.
فبيت اللَّه هو رمز الوحدة وقوّة المسلمين ورفعتهم وعظمتهم من جانب ومن جانب آخر فإنّه ينطوي على المناسك التي تطهر القلب من دنس المعصية وتفيض عليه نور الهدى وتغمره بالرحمة الإلهيّة.
ولما فرغ الإمام عليه السلام من ذكر بساطة الكعبة، عرج على التعرض لخصائص الأرض التي تضم البيت وهي مكة فقال:
«ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ [١] بِقَاعِ الأَرْضِ حَجَراً،
وأَقَلِّ نَتَائِق [٢] الدُّنْيَا مَدَراً [٣]. وأَضْيَقِ بُطُونِ الأَوْدِيَةِ قُطْراً [٤]. بَيْنَ جِبَال خَشِنَة، ورِمَال
[١]. «أوعر» من «وعر» على وزن «قعر» تعني الأرض الوعرة والشديدة.
[٢]. «نتائق» جمع «نتيقة» بمعنى البقاع المرتفعة من مادة «نتق»، على وزن «فتق» بمعنى الحفر والارتفاع.
[٣]. «مدر» بمعنى الطين اليابس.
[٤]. «قطر» بمعنى البلد والمنطقة.