نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١ - الشرح والتفسير عجزنا عن إدراك صفاته
ويحتمل أن يكون المراد معجزتي العصا واليد البيضاء التي اقترنت بتكليم موسى عليه السلام.
على كلّ حال فلا يصح إطلاق صفة الناطق أو اللافظ على اللَّه تبارك وتعالى، هذين اللفظين يشيران إلى حركة اللسان ومخارج الحروف والأمواج الصوتية التي يتنزّه عنها اللَّه تبارك وتعالى، بينما يصح إطلاق لفظ المتكلّم على اللَّه لأنّه يوجد الكلام ويخلق الأمواج الصوتية في ست جهات كي لا يتصور موسى والآخرون أنّ اللَّه يحويه مكان.
ثم خاض الإمام عليه السلام في مطلبين آخرين بهدف إكمال هذه الصفات وإثبات عجز الفكر البشري عن تبيانه لحقيقة اللَّه تبارك وتعالى فقال في الأُولى:
«بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ [١] لِوَصْفِ رَبِّكَ، فَصِفْ جِبْرِيلَ ومِيكَائِيلَ وجُنُودَ الْمَلَائِكَةِ
الْمُقَرَّبِينَ، فِي حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ [٢]، مُتَوَلِّهَةً [٣] عَقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ
الْخَالِقِينَ».
إشارة إلى أنّ الإنسان الذي يعجز عن بيان صفات ملائكة اللَّه المقرّبين ولا يسعه إدراك حقيقة وجودها وحقيقة صفاتها، فكيف يتوقع إدراك صفات الخالق ويستوعب في حيزه الفكري صفاته الجماليّة والجلاليّة، مع العلم أنّ الملائكة الذين نعجز عن بيان صفاتهم يعيشون حالة الحيرة ضمن دائرتهم.
ثم خاض عليه السلام في النقطة الثانية التي تعدّ دليلًا عقلياً واضحاً فقال:
«فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُوالْهَيْئَاتِ وَالأَدْوَاتِ، ومَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ».
ثم اختتم هذا القسم باستنتاج واضح فقال عليه السلام:
«فَلَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلَام، وأَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُور».
[١]. «متكلّف» تطلق على الشخص الشديد التعرض لما لا يعنيه.
[٢]. «مرجحنين» من الفعل الرباعي «رجحن» على وزن «دحرج» بمعنى المائل لثقله والمتحرك يميناً وشمالًاووردت في الخطبة بمعنى الخضوع والتواضع.
[٣]. «متولّهة» من مادة «وله» بمعنى الحائرة أو متخوفة من شدّة الحب.