نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٦ - الشرح والتفسير درس وعبرة في قصة موسى عليه السلام
فرعون وكانا يرتديان تلك الثياب البسيطة فتعرضا إثر ذلك لاستخفاف فرعون المتكبر فقال عليه السلام:
«وَلَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ومَعَهُ أَخُوهُ هَارُونَ عليهما السلام عَلَى فِرْعَوْنَ، وعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ [١] الصُّوفِ، وبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ، [٢] فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بَقَاءَ
مُلْكِهِ، ودَوَامَ عِزِّهِ».
فقد دخل موسى وهارون عليهما السلام بذلك اللباس البسيط وعصا الرعي على فرعون ليحطما كبرياءه وطغيانه ويبيّنا له ولحاشيته أنّ العزّة ليست في الأموال والكنوز وكثرة الخدم ليعلنا نهاية ذلك النوع من العيش وانطلاقة العهد الجديد في الحكومة الإلهيّة بواسطة المستضعفين.
ثم واصل عليه السلام حديثه فتطرق إلى ردود الفعل التي ابداها فرعون إزاء دعوة موسى وهارون فقال عليه السلام:
«فَقَالَ: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزِّ، وبَقَاءَ الْمُلْكِ؛ وهُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ والذُّلِّ، فَهَلَّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرَةٌ [٣] مِنْ ذَهَب»؟
إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وجَمْعِهِ، واحْتِقَاراً لِلصُّوفِ ولُبْسِهِ!».
نعم! فالنظام المادي للجهاز الفرعوني يدور حول هذا المحور في أنّ من كانت إمكاناته في الذهب والجواهر أكثر كانت شخصيته أسمى، وثياب الصوف البسيطة إنّما هي لباس الشخصيات الوضيعة في المجتمع؛ أي لم يكن هنالك أي دور للقيم الإنسانيّة في بيان شخصية الإنسان في ظلّ ذلك النظام، والقيم الاعتبارية والخيالية هي التي تحدد معيار الشخصية.
وقد تعرض الإمام عليه السلام لشرح هذه الحقيقة بعبارات غاية في الروعة والبيان والتي لم تكن لها آنذاك قيمة واقعية بينما كان يحسبها كذلك فرعون وحاشيته فقال:
«ولَوأَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِانْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ [٤]، ومَعَادِنَ
[١]. «مدارع» جمع «مدرع» على وزن «منبر» بمعنى الجبّة.
[٢]. «عصىّ» جمع «عصا».
[٣]. «أساورة» و «أساور» جمع «أسورة» وجمع «سُوار»، على وزن «غبار» أو «سوار» على وزن «كتاب» وهي في الأصلكلمة فارسية (دستور) بمعنى السوار الذي يوضع في اليد للزينة.
[٤]. «ذهبان» جمع «ذهب» معروف.