نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٠ - الشرح والتفسير آفة التكبّر
والغرور في التاريخ القديم فقال:
«فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْامَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَصَوْلَاتِهِ، [١] ووَقَائِعِهِ ومَثُلَاتِهِ [٢]».
فقد عرض لنا القرآن الكريم كيف كانت عاقبة الطغاة سيئة ومصيرهم أسود كفرعون وجنوده حيث هلكوا غرقاً في أمواج البحر وكانت أجسامهم طعمة لحيتان البحار، وطغاة مع أقواهم هلكوا تحت الزلارل الشديدة ومنهم مَن أُمطروا بالحجارة أو خسف بهم الأرض ومنهم مَن قلبَ اللَّه بهم مدنهم فجعل عاليها سافلها كقوم لوط، وطائفة أخذهم بالطوفان والعواصف التي جعلتهم كأعجاز النخل الخاوية كقوم عاد، بينما أخذ البعض الآخر بالصاعقة ليحيلهم أجساداً خاوية بطرفة عين كما قال تعالى في محكم كتابه العزيز: «فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» [٣].
ثم قال عليه السلام:
«واتَّعِظُوا بِمَثَاوِي [٤] خُدُودِهِمْ، ومَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ، [٥] واسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ
مِنْ لَوَاقِحِ [٦] الْكِبْرِ، كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ».
يبدو أنّ الوصايا الثلاث التي ذكرها الإمام عليه السلام:
«اعتبروا» و «اتَّعِظُوا» و «اسْتَعِيذُوا»
إشارة إلى المراحل الثلاث التي تنتظر الإنسان اليقظ في مسيرته نحو الحقّ حين تأمّله لسيرة الماضين: وأهمها مصير الأمم السابقة بما كانت تمتلكه من نعم وما كانت عليه من عزة وقدرة ثم الت إلى الزوال أثر الكبر والغرور، لكي يتعلم الدروس والعبر من تاريخ حياتهم ومماتهم فيستعيذ باللَّه في خاتمة المطاف حتى لا
[١]. «صولات» جمع «صول» على وزن «قول» بمعنى التسلط والغلبة.
[٢]. «مثلات» جمع «مثلة» على وزن «عضلة» بمعنى العقوبة ومن ذلك العذاب الذي نزل على الأمم السابقة والذي اصبح يضرب به المثل.
[٣]. سورة العنكبوت، الآية ٤٠.
[٤]. «مثاوى» جمع «مثوى» من مادة «ثواء» بمعنى الإقامة في موضع، وعليه فالمثوى بمعنى المنزل والمكان.
[٥]. «جنوب» جمع «جنب» على وزن «جمع» بمعنى الجهة والجانب.
[٦]. «لواقح» جمع «لاقح» من مادة «لقاح» تشير في العبارة إلى عوامل ظهور الكبر والغرور.