نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠ - الشرح والتفسير عجزنا عن إدراك صفاته
التي تفوق عالم المادة لا تدرك إلّابالعقل والفكر، ويخطئ أولئك الذين يعتقدون بإمكانيّة رؤية اللَّه تعالى في الدنيا والآخرة بهذه العين.
العبارة:
«لَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ»
تشير إلى أصل كلّي بشأن صفات اللَّه تعالى في عدم إمكانيّة مقارنة هذه الصفات بصفات المخلوق فإنّ ذلك ينتهي إلى الضلالة، وهذا المعنى ورد في الخطبة الأُولى من نهج البلاغة:
«وكَمالُ الْاخْلاصِ لَهُ نَفْىُ الصِّفاتِ عَنْهُ».
وقال أخيراً في بيان آخر الصفات:
«الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً، وأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً؛ بِلَا جَوَارِحَ وَلَا أَدَوَات، وَلَا نُطْق وَلَا لَهَوَات [١]».
بما أنّه نقل في السابق مختلف الصفات وأثبتها للَّهتعالى بأكمل وجه، فقد خاض هنا في مسألة تكلّم اللَّه سبحانه وتعالى وأوضح أنّ اللَّه كلّم موسى عليه السلام ولكن ليس على غرار الناس الذين يتكلّمون بواسطة اللسان والفم والأمواج الصوتية وأداء الحروف، بل يخلق الأمواج الصوتية ليتحدّث بواسطتها مع موسى عليه السلام، فكان موسى يسمع الكلام من ست جهات وهذا من عظمة آيات اللَّه دون الحاجة إلى الجوارح والأعضاء الصوتية، وظاهر كلام الإمام عليه السلام أنّ عظمة آيات اللَّه هو سماع كلامه سبحانه من الجهات الست، والشاهد على ذلك قوله عليه السلام:
«بِلَا جَوَارِحَ وَلَا أَدَوَات، وَلَا نُطْق وَلَا لَهَوَات».
الاحتمال الآخر الذي ذكره شرّاح نهج البلاغة بهذا الشأن أنّ المراد من عظيم آياته المعجزات التسع التي حبى بها موسى بن عمران [٢]، ولكن يبدو هذا الاحتمال بعيداً ولا ينسجم مع سياق كلام الإمام عليه السلام فهو لا يخلو من تكلّف ومخالفة الظاهر،
[١]. «لهوات» جمع «لهاة» بمعنى اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم، ويقال لها اللسان الصغير، ولكن يبدو معناها في الخطبة الحنجرة بقرينة المجاورة.
[٢]. المراد من الآيات التسع ما وردت الإشارة إليها في آيات مختلفة من القرآن الكريم، وهي عبارة عن الجرادوالقمّل والضفادع والدم والرياح العاصفة والعصا واليد البيضاء والقحط الشديد الذي أصاب الفراعنة وآفات الفاكهة.