نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٣ - الشرح والتفسير اجتناب تبعية المتكبرين
إلى كفائتهم وجدارتهم وتنكروا لنعم اللَّه وآلائه وألطافه.
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى ذكر السبب الذي يقف وراء ضرورة عدم تبعية مثل هؤلاء الأفراد فقال:
«فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ، ودَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ، وسُيُوفُ اعْتِزَاءِ [١] الْجَاهِلِيَّةِ».
فقد شبّه الإمام عليه السلام العصبية والفتنة بالبيت، وأعمدته دعاة الفساد، وأركانه المتكبرون الأنانيّون، وقد نهى الجميع عن السكن في هذا البيت، كما شبه عليه السلام الشعارات السائدة في زمان الجاهليّة لإثارة القبائل وتأليبها على بعضها البعض الآخر، بالسيوف الحادة، ثم شبه زعماء الفساد بهذه السيوف.
فقد كان السائد في العصر الجاهلي أنّ أية قبيلة من القبائل إذا ما تعرّضت لتهديد من الطرف الآخر عمد زعماؤها بدلًا من اعتماد الفكر والمنطق في إصلاح الأمور وإرساء الصلح والسلام إلى تأليب الآخرين على اطلاق شعارات الحرب مستغلين جميع الوسائل من أجل إثارة عواطف الأفراد الجهّال بغية تأجيج نار الحرب، سيما أنّ كل قبيلة كانت تنادي الأخرى بأسماء آبائها وأجدادها السابقين فزعماء القبائل في الواقع هنا بمنزلة السيوف.
ويشير التاريخ إلى أنّ الزعماء المتهافتين على المناصب والمقامات في العصور السابقة كانوا يعبئون الجماهير بمختلف الشعارات ويزجون بالجهّال في أتون الحرب بغية الحفاظ على مصالحهم ومقاماتهم ولعلنا نلمس اليوم ما عليه وسائل الإعلام العالميّة التي تعتمد شتى الأساليب وبصورة واسعة بغية الحفاظ على الحكومات الاستكبارية ومصالح كبار رؤساء الأموال، وكما قال القرآن الكريم: «انَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً» [٢]، وهذه هي الفئة التي وقفت على الدوام بوجه الأنبياء الذين بعثوا لتنوير عقول الناس وهدايتهم إلى
[١]. «اعتزاء» بمعنى النسب من مادة «عزو» على وزن «رزم».
[٢]. سورة النمل، الآية ٣٤.