نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٢ - الشرح والتفسير اجتناب تبعية المتكبرين
وكُبَرَائِكُمْ! الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ، وأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ [١] عَلَى
رَبِّهِمْ، وجَاحَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ، مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ، ومُغَالَبَةً لِالائِهِ [٢]».
فهذا الكلام في الواقع اقتباس من الآية القرآنيّة الشريفة التي يظهر فيها الناس ندمهم يوم القيامة على طاعتهم لكبرائهم وزعمائهم فيقولون: «رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَاْ* رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً» [٣].
وإننا كلّما تأمّلنا تاريخ البشريّة الماضي نرى أنّ أحد العناصر الرئيسيّة في الحروب والصراعات وإراقة الدماء كان يكمن في التكبر والعصبيات القبلية والقوميّة والتي ما زالت قائمة لحد الآن، وهي أحد العوامل المهمّة في نشوب الحرب العالمية الأُولى والثانية التي حطمت دولًا من العالم وأودت بحياة الملايين من الناس، والحال لو أمعن الإنسان النظر لأدرك أنّ أصله من التراب وأصله الآخر نطفة لا قيمة لها ونهايته جثة متعفنة، فقد نهى الإسلام عن الافتخار بالآباء والمناصب والتمسك ببعض الألقاب التي تفرز الغرور والغفلة، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف:
«حُبُّ الرَّجُلِ دينُهُ، ومُرُوَّتُهُ، خُلْقُهُ، وأصْلُهُ عَقْلُهُ» [٤].
فقد قاله النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله حين حاول البعض الاستخفاف بسلمان الفارسي حين سألوه عن نسبه، فرد عليهم بأنّ نسبه عتقه من العبودية بواسطة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله.
والعبارة:
«ألْقَوُا الْهَجينَةَ عَلى رَبِّهِمْ»
إشارة إلى أنّ هؤلاء رأوا أنّ نسبهم هو الأفضل ونسب الآخرين أدنى، ثم نسبوا دناءة نسب الآخرين إلى اللَّه تعالى، واعتقدوا أنّ اللَّه تعالى خلق خلقاً فاضلًا وكانوا هم من ذلك الخلق، وخلق تعالى خلقاً أدنى هم الآخرون كما نسبوا لأنفسهم ما نالوا من النعم الإلهيّة على أنّها تستند
[١]. «هجينة» بمعنى الفعلة القبيحة والمستهجنة من مادة هجونة.
[٢]. «آلاء» جمع «ألا» على وزن «جفا» أو إلا على وزن «فعل» بمعنى النعم وقيل بمعنى خصوص النعم المعنويّة خاصة حين تأتي مع مفردة النعمة، ويقال: «النعم والآلاء».
[٣]. سورة الأحزاب، الآيتان ٦٧ و ٦٨.
[٤]. بحار الأنوار، ج ٢٢، ص ٣٨١، ح ١٦.