نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٣ - الشرح والتفسير الاعتبار بعاقبة إبليس
«فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِإِبْلِيسَ إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ، وجَهْدَهُ [١] الْجَهِيدَ،
وكَانَ قَدْ عَبَدَاللَّهَ سِتَّةَ آلَافِ سَنَة، لَايُدْرَى أمِنْ سِنِي [٢] الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْاخِرَةِ، عَنْ
كِبْرِ سَاعَة وَاحِدَة».
والعبارة
«لا يُدرى أمِنْ سِنِى الدُّنْيا أمْ مِنْ سِني الْاخِرَةِ»
لا تعني عدم علم الإمام بهذا الأمر، بل إشارة إلى أنّ الناس لا يعلمون بذلك، والمراد من سنوات الدنيا هذه السنوات التي نعيشها والمعلومة المقدار، كما أنّ سنوات الآخرة ما أشير إليه كراراً في القرآن الكريم ومن ذلك: «وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَة مِّمَّا تَعُدُّونَ» [٣].
وهنا يرد هذا السؤال: كيف يمكن زوال ستة آلاف سنة من العبادة بساعة من التكبر؟ والجواب واضح؛ فالبناء عمل شاق وطويل، أمّا الهدم فعمل بسيط وسريع، فقد يستغرق بناء بيت عدّة سنوات إلّاأنّ حريقاً يحيله خراباً خلال لحظات، كما يبنى السد العظيم في عدّة سنوات بينما ينهار بطرفة عين بفعل الزلزال أو تفجيره بالديناميت والمواد المفجرة، ومسألة إحباط الأعمال بفعل بعض الذنوب لمن المطالب المهمّة التي سنتعرض إليها في مبحث التأمّلات.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه فأشار إلى أنّ مصير المتكبرين من البشر هوذات مصير إبليس فقال:
«فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ؟ كَلَّا، مَا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بأَمْر أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً».
ثم قال عليه السلام في التأكيد على هذا المعنى:
«انَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وأَهْلِ الأَرْضِ لَوَاحِدٌ. ومَا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ أَحَد مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ [٤] فِي إِبَاحَةِ حِمىً [٥] حَرَّمَهُ عَلَى
الْعَالَمِينَ».
إشارة إلى أنّ جميع المكلفين سواسية أمام اللَّه تعالى وليس لأيأحد أي امتياز على آخر، فليس للَّهمع أحد من قرابة، والمعصية من أي عبدٍ صدرت هي معصية،
[١]. «جهد» على وزن «مهد وجهد» على وزن «كفر» كلاهما يعني السعي الجاد وجهيد على وزن «فعيل» من هذهالمادة يذكر للتأكيد وعليه فجهد وجهيد تعني منتهى السعي.
[٢]. «سني» هي سنين في الأصل وحذفت النون للإضافة.
[٣]. سورة الحج، الآية ٤٧ وقريب من هذا المعنى سورة السجدة، الآية ٥.
[٤]. «هوادة» بمعنى اللين والرخصة.
[٥]. «حمى» بمعنى المنطقة المحظورة من حمى على وزن «نفى» بمعنى المنع والاعراض.