نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٨ - الشرح والتفسير التقوى كهف في الدنيا ونور في الآخرة
وقد ذهب العديد من شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ التقوى هنا تعني الطاعة التامة لأوامر اللَّه تعالى، والحال أنّ التقوى هي خشية اللَّه الباطنيّة والالتزام بالمبادئ التي يكون أثرها طاعة أوامر اللَّه.
فالتقوى تظهر في مراحلها الابتدائيّة بصورة العدالة وفي مراحل أروع بصورة العصمة وكل ذلك من الصفات الباطنيّة.
والشخص الذي يستخف بالطاعة ولا يكترث للذنب هوشخص عديم التقوى وذلك الشخص الملتزم يتعاليم الدين والعامل بها هو المتقي وتظهر آثار كلّ من الحالتين على الأعمال.
ثم قال عليه السلام في تحصيل هذه الجوهرة الثمينة:
«وأَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ، وتَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ».
نعم، فسلوك سبيل التقوى، التقوى التي تحيط بحياة الإنسان، ليست ميسرة إلّا بتوفيق اللَّه، حتى أنبياء اللَّه وأولياءَه يفوّضون أمورهم إلى اللَّه ويسألونه الأخذ بأيديهم ويقولون: «وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» [١].
وورد في الدعاء الذي ورد الحث عليه عقب زيارة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام:
«كُلَّما وَفَّقْتَنى بِخَيْرٌ فَأنْتَ دَليلي عَلَيْهِ وطَريقي إلَيْهِ» [٢].
ثم أشار عليه السلام إلى معطيين مهمين من معطيات التقوى كدليل عليها فقال:
«فَإِنَّ التَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ والْجُنَّةُ».
نعم! فمعظم الحوادث المريرة الفرديّة والاجتماعيّة التي تعكر صفو حياة الإنسان في هذا العالم معلولة للمعصية والخروج عن جادة العدل والانصاف؛ فالتقوى تنقذ الإنسان في هذا العالم من السقوط في مستنقع الذنب وعواقبه الخطيرة وتجعله يعيش حياة هانئة مقرونة بالسكينة والسعادة وفخير زادٍ يتزوّد به الإنسان
[١]. سورة هود، الآية ٨٨، ورد هذا الكلام في القرآن على لسان النبي شعيب عليه السلام تجاه قومه الطاغين.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٩٩، ص ٥٥.