نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٣ - الشرح والتفسير بديع خلق اللَّه
وابداع الكائنات تعدّ أهم صفات اللَّه التي تشمل العلم والقدرة والعدالة واللطف والرحمة.
ثم أشار إلى هذه الحقيقة أن خلق اللَّه تعالى دون أدنى سابقة تعلم وتجربة ومشورة فقال عليه السلام:
«بِلَا اقْتِدَاء وَلَا تَعْلِيم، وَلَا احْتِذَاء [١] لِمِثَالِ صَانِع حَكِيم، وَلَا إِصَابَةِ
خَطَإ، ولَا حَضْرَةِ مَلَا».
فالواقع إنّ الشخص الذي يستلهم من الآخرين في صناعته إنّما يستند إلى ذلك في واحدة من طرق خمسة:
الأوّل: أن يقلد غيره، والثاني: أن يتعلم، والثالث: أن يرى صناعة عالم غيره فيستفيد منها في تحقيق غرضه، والرابع: الاستفادة من أخطائه السابقة والخروج بتجربة، والخامس: أن يستشير جماعة معينة ويتعاون معها، أمّا اللَّه الصانع الحكيم فخلقه لا يستند إلى سابقة وغني عن كلّ ما قيل سابقاً ومن هنا يطلق على خلقه الابداع (الخلق دون سابقة).
وتبدو هذه المسألة في غاية الأهميّة إذ إنّ الإنسان مهما صنع ومهما ابدع وابتكر إنّما شاهد نماذج ذلك في عالم الخلق؛ فمثلًا الذين اخترعوا الطائرة فممّا لا شك فيه أنّهم استفادوا واستلهموا تصميمها من الطيور، ومن هنا كان هنالك شبه كبير بين أنواع الطائرات وأنواع الطيور، وفي نفس الوقت وبغية تحقيق أهدافهم عليهم أن يستفيدوا من علوم السابقين وتجاربهم ويقوموا باختباراتهم الواسعة والمتكررة ليتمكنوا من تلافي أخطائهم عن طريق الاختبار والتجربة، وعادة ما يعمدون إلى تشكيل بعض المجالس وعقد المؤتمرات والندوات لهذا الغرض والحال فإنّ الصانع الحكيم ليس بحاجة إلى أي من هذه الأمور في خلقه الواسع والأنواع الخارجة عن الحدود من مخلوقاته.
ولما فرغ الإمام عليه السلام من حمد اللَّه والثناء عليه خاض في الشهادة للنبي صلى الله عليه و آله
[١]. «الاحتذاء» يعني التنسيق من مادة «حذو» على وزن «جذب» بمعنى التنسيق والانسجام.