نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣ - الشرح والتفسير احاطته العلميّة بكلّ شيء
وما أن فرغ الإمام عليه السلام من بيان آثار عظمة اللَّه وقدرته في عالم الخلق حتى تطرق لسعة علمه وإحاطته بجميع الموجودات في الأرض والسماء؛ حتى أشار بشرح رائع إلى عشرة موارد منها تجسد سعة علمه سبحانه فقال:
«فَسُبْحَانَ مَنْ لَايَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَق [١] دَاج [٢]، وَلَا لَيْل سَاج [٣]، فِي بِقَاعِ الأَرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ [٤]، ولَا فِي
يَفَاعِ [٥] السُّفْعِ [٦] الْمُتَجَاوِرَاتِ؛ ومَا يَتَجَلْجَلُ [٧] بِهِ الرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، ومَا تَلَاشَتْ [٨]
عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ، ومَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ [٩] الأَنْوَاءِ [١٠]
وانْهِطَالُ [١١] السَّمَاءِ! ويَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ ومَقَرَّهَا، ومَسْحَبَ [١٢] الذَّرَّةِ ومَجَرَّهَا [١٣]، ومَا
يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا، ومَا تَحْمِلُ الْانْثَى فِي بَطْنِهَا».
حقّاً إنّ تأمّل عبارة الإمام عليه السلام بشأن علم اللَّه تبارك وتعالى بجميع الكائنات في السماوات والأرض التي تجعل أعظم الأشياء وأصغر الموجودات وأخفى المخلوقات يغوص في بحرٍ من التفكير هل بالإمكان خفاء أعمالنا وأقوالنا، بل نيّاتنا وأفكارنا على اللَّه تبارك وتعالى المحيط بكلّ شيء؟ وهذه أحد أهم الآثار التربويّة للإيمان بسعة علم اللَّه وإحاطته بجميع الأشياء.
والطريف أنّ الإمام عليه السلام حين يتحدّث عن ظلمة الليل أو سكونه يشير إلى آثاره المختلفة في مختلف بقاع الأرض من قمم الجبال إلى سفوحها، وحين يتحدّث عن
[١]. «غسق» الظلمة التي تقع عادة منتصف الليل.
[٢]. «داج» من مادة «دجوّ» على وزن «غلوّ» بمعنى الشديد الظلام.
[٣]. «ساج» من مادة «سجوّ» على وزن «غلوّ» السكون والهدوء.
[٤]. «متطأطئات» جمع «متطأطئ» المنخفضات.
[٥]. «يفاع» التل وكل شيء مرتفع.
[٦]. «سفع» جمع «سفعة» على وزن «سفرة» الحمرة المائلة للسواد.
[٧]. «يتجلجل» من «جلجلة» صوت الرعد ثم اطلقت على كلّ صوت شديد.
[٨]. «تلاشت» من «تلاشى» بمعنى الاضمحلال. ويرى البعض أنّ مادتها لا شيء.
[٩]. «عواصف» جمع «عاصف» و «عاصفة» الرياح الشديدة.
[١٠]. «أنواء» جمع «نوء» على وزن «نوع» غروب النجم في جهة المغرب، وللعرب عقيدة في الأنواء سنعرض لها في مبحث التأملات بمعنى الطوفان.
[١١]. «انهطال» نزول المطر كما تطلق على إنهمار الدموع.
[١٢]. «مسحب» اسم مكان من مادة «سَحْب» على وزن «سهو» الجذب نحو الشيء.
[١٣]. «مجرّ» اسم مكان من مادة «جرّ»؛ السحب والجر.