نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٧ - ذكر الموت
الآخرة ليس لهم من سبيل إلى العودة ولذلك تغلق صحيفة أعمالهم وإلى الأبد، فلا يسعهم تلافي سيئة ولا إضافة حسنة، ولعل هذه أعظم مصيبة يفجع بها أصحاب الدنيا الآثمين، وإلّا فإنّ اقترن الموت بالأعمال الصالحة فلا يعدّ مصيبة فحسب بل سعادة ورحمة فهو لا يعني سوى تحطيم القفص وانطلاق الروح الإنسانيّة وتحليقها في الفضاء العلوي، ومن هنا حين نزلت ضربة أشقى الأولين والآخرين عبد الرحمن بن ملجم على رأس مولى المتّقين علي عليه السلام قال:
«فُزْتُ ورَبِّ الْكَعْبَةِ».
ثم تناول عليه السلام سبب ذلك البؤس والشقاء فقال:
«أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ، ووَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ [١]».
نعم! فالوثوق بالدنيا كالوثوق بالسراب الذي يدعو الإنسان في الصحراء المحرقة نحوه فلا يزيده إلّاعطشاً ويحيل أمله يأساً، أو كالاعتماد على الجدار الرخو الذي ينهار عاجلًا أم أجلًا فيبقى الإنسان تحت أنقاضه.
تأمّل
ذكر الموت
لم يقتصر التأكيد على ذكر الموت ونهاية الحياة على أمير المؤمنين عليه السلام بل هذا ما أكّده اساتذة الأخلاق والهداة إلى الصراط وفي مقدمتهم جميعاً القرآن الكريم بغية إيقاظ الغافلين الموتى في أنّ هذه الحياة زائلة وليست خالدة، فأطفال الأمس هم شباب اليوم وشباب اليوم هم كهول الغد وكهول الغد كأوراق الخريف التي تتساقط برياح الأجل لتلتحق بصفوف الأسلاف.
ويبدو الإلتفات إلى هذه الحقيقة مدعاة لليقظة والاعتبار، فأغلب الناس يجدّون في العمل وكأنّهم مخلدون في هذه الدنيا، والحال ليس هنالكم من طمأنينة لاستمرار هذه الحياة ولولساعة أخرى، ويكفي الإلتفات إلى هذه النقطة في انزال
[١]. «صرعت» من مادة «صرع» على وزن «فرع» بمعنى التمريغ بالتراب.