نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٤ - الشرح والتفسير الحوادث المرعبة
«أَقلُّ ما يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ أَخٌ يُوثَقُ بِهِ اودِرْهَمٌ مِنْ حَلال» [١].
ويتّضح ممّا ذكرنا آنفا أنّ العبارة لا تنطوي على مفهوم معقد ومجهول كما ذهبإلى ذلك بعض شرّاح نهج البلاغة فقدموا عدّة احتمالات مستبعدة وضعيفة.
ثم خاض عليه السلام في سائر المشكلات التي يعاني منها ذلك المجتمع الفاسد والذي ينتظره الناس بحكم الإجبار فقال:
«ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَاب، بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ والنَّعِيمِ، وتَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَار، وتَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاج».
فأيّ مجتمع إنّما يؤول إلى الإنهيار إن شهد هذه البلايا الثلاث، الأثرياء يسكرون بالثروة فينسون اللَّه وخلقه، وبالطبع فإنّ سكر النعمة أخطر من سكر الشراب، فسكر الشراب قد ينتهي بعد مرور ليلة بينما قد يستمر سكر النعمة طيلة العمر، كذلك القسم من غير اضطرار والذي يوهن من شأن اللَّه تعالى، والكذب من دون احراج الذي يزيل الثقة والاطمئنان وبالتالي تتعقد الحياة في ظلّ هذا المجتمع.
وقال عليه السلام في اختتامه لهذا التكهن:
«ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ [٢] الْبَلَاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ [٣]
غَارِبَ [٤] الْبَعِيرِ مَا أَطْوَلَ هذَا الْعَنَاءَ، وأَبْعَدَ هذَا الرَّجَاءَ!».
يعتقد أغلب الشرّاح أن هذه العبارة منفصلة عن العبارات السابقة فإنّ السيد الرضي- طبق عادته- أسقط بعض العبارات حين اقتطافه لبعض العبارات الرائعة لخطب الإمام عليه السلام.
ولا يبدو هذا الكلام مستبعداً، لأنّ
«ذاكَ»
تشير ظاهراً إلى النجاة والفرج الذي سيحصل للمؤمنين بعد كلّ ذلك البلاء، والعبارة
«ما أَطْوَلَ هذَا الْعَنَاءَ وأَبْعَدَ هذَا الرَّجاءَ»
شاهد متين على هذا المعنى حيث قال عليه السلام: هنالك أمل في النجاة بعد كلّ هذا البلاء.
[١]. بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ١٥٧.
[٢]. «عَضَّ» من مادة «عضّ» على وزن «خزّ» تستعمل كناية عن الحوادث التي تزعج الإنسان.
[٣]. «قتب» جهاز الناقة (اطار صغير أصغر قليلًا من سنام الناقة يوضع عليها ليجلس عليها الراكب).
[٤]. «الغارب» موضع بين العنق والسنام.