نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨ - الشرح والتفسير دلالة السماء على اللَّه
والعبارة:
«ولَمْ يَتَقَدَّمْهُ ...»
إشارة إلى أنّه يفوق الزمان؛ لأنّ الزمان نتيجة لحركة الموجودات من النقص إلى الكمال وبالعكس، وبما أنّ وجوده المقدّس عين كماله المطلق وليس للزيادة والنقصان من سبيل إلى ذاته فلا معنى لطرو الوقت والزمان عليه [١].
وحيث إنّ نفي الشبيه والنظير والزمان والزيادة والنقصان عن ذاته القدسيّة ربّما يخلق وهماً يتمثل في تعطيل معرفة اللَّه، وبعبارة أخرى إنعدام السبيل إلى معرفته؛ فقد قال:
«بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ، وَالْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ».
إشارة إلى أنّ الذات القدسيّة وإن كانت خارجة عن متناول العقول البشريّة إلّاأنّ إثبات أصل وجودها ممكن من خلال تأمّل نظام الخليقة والتدبير الحكيم الذي يحكمه، وهذا ما أشارت إليه بعض الروايات الإسلاميّة التي حثت على عدم الاستغراق في الذات المقدّسة، بل التفكير في آثار قدرته وعظمته وعلمه في عالم الوجود، الأمر الذي جعله القرآن الكريم محوراً في معرفة اللَّه ودعى أصحاب الفكر وأولوا الألباب إلى التفكير على الدوام فقال تعالى: «انَّ فِي خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِاولِى الأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهُ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» [٢].
ثم ركز الإمام عليه السلام على مصاديق هذا البيان الكلّي والعام فقال:
«فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَات [٣] بِلَا عَمَد [٤]، قَائِمَات بِلَا سَنَد [٥]».
[١]. اعتبر بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ الوقت يرادف الزمان، بينما عدّه البعض الآخر بالزمن المعين وأنّ للزمان مفهوماً عاماً، والتفسير الثاني يبدو أصح. كما ورد في القرآن الكريم في الآية ١٠٣ من سورة النساء بشأن الصلاة، «إنّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى المُؤمِنينَ كَتابا مَوقُوتاً».
[٢]. سورة آل عمران، الآيتان ١٩٠ و ١٩١.
[٣]. «موطدات» من مادة «وطد» على وزن «وقت» بمعنى التثبيت والإحكام.
[٤]. «عمد» جمع «عماد» بمعنى العمود.
[٥]. «سند» بمعنى ما يستند عليه.