نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٦ - الشرح والتفسير دوام الخلقة والفناء
التشبيه (الواجب بالممكن).
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا أو هنالك من يحتمل هذه الأمور على اللَّه لينفيها الإمام عليه السلام؟
لا شك في أنّ أصحاب العقول السليمة لا يتصورون مثل هذا الاحتمال، إلّاأنّ هذه الوسوسة قد تساور أذهان بعض الأفراد العاديين، أولئك الذين يرون اللَّه جسماً ويرون له أذناً وعيناً ويداً ورجلًا وظفيرة ويا له من وهم ساذج! والسؤال الآخر الذي يرد هنا أنّ الإمام عليه السلام يذكر هذه الأهداف لنفي فناء الدنيا إلّاأنّه لم يذكر بدل ذلك أي هدف ايجابي والجواب على هذا السؤال واضح: أنّ اللَّه حكيم وكلّ أفعاله تستند إلى الحكمة والتي تعود آثارها وفوائدها على الإنسان وسائر الموجودات، لا إلى ذاته القدسيّة الغنية عن كلّ شيء، ولعل الهدف الأصلي من هذا الفناء حتى لا يشتبه الإنسان فيتصور وجوده من نفسه ويعتقد بأزليّة وأبديّة السماء والأرض وليعلم أنّ كلّ شيء متوقف على إرادة اللَّه.
ثم قال عليه السلام في مواصلته لكلامه وفي خلاصة للأبحاث السابقة:
«ولكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وأَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ، وأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَة مِنْهُ إِلَيْهَا، وَلَا اسْتِعَانَة بَشَيء مِنْهَا عَلَيْهَا، وَلَا لِانْصِرَاف مِنْ حَالِ وَحْشَة إِلَى حَالِ اسْتِئْنَاس، وَلَا مِنْ حَالِ جَهْل وعَمىً إِلَى حَالِ عِلْم وَالْتِمَاس [١]، وَلَا مِنْ فَقْر وحَاجَة إِلَى
غِنىً وكَثْرَة، وَلَا مِنْ ذُلٍّ وَضَعَة [٢] إِلَى عِزٍّ وقُدْرَة».
فما بيّنه الإمام عليه السلام في ختام هذه الخطبة وضمن ست عبارات نفي الأهداف التي لا تليق بذاته الطاهرة بالنسبة لخلق العالم؛ باختلاف طفيف مع الأهداف السبعة التي مضت في الأقسام السابقة فذكرها الإمام عليه السلام هنا بصيغة خلاصة وبعبارات جديدة وخلاصتها أنّه لم تكن لديه من حاجة لإيجاد عالم الخلق ولا في فنائه ولا في
[١]. «التماس» من لمس بمعنى الطلب.
[٢]. «ضعة» من مادة «وضع» بمعنى الخسة.