نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٨ - الشرح والتفسير قدرته المطلقة في خلق الكائنات
على معرفة النّبي صلى الله عليه و آله ليخوض هنا في أدلة اثبات وجود اللَّه وعلمه وقدرته المطلقة، فحذر أولئك الذين ضلّوا الطريق فقال:
«ولَوفَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ، وجَسِيمِ النِّعْمَةِ، لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ، وخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ».
إشارة إلى أمرين: أنّه لو استعمل الفكر لاتّضحت آثاره عاجلًا على أعمال الإنسان؛ الأوّل التفكير في عظمة قدرة اللَّه الذي خلق النجوم السماويّة العظيمة وملياردات الكواكب في المجرة ومئات الملايين من المجرات بحيث لم يتّضح لأحد سعة ملكه وعظمته، وكل ما نورده بشأن عظمة العالم إنّما يقتصر على الأشياء التي لا تتجاوز دائرة علمنا القاصر، ولعل كلّ ذلك لا يعدو ورقة شجرة بلغت عنان السماء في وسط غابة كثيفة، فالتفكير بهذا الشأن يجعل الإنسان خاضعاً لهذه القدرة فيقبل على اللَّه ويتعلق به قلبه فينير باسمه وذكره حياته.
والآخر التفكير في النعم كونها ملأت وجودنا وهي متصلة منذ لحظة انعقاد النطفة حتى ختام العمر؛ فقد سخر لنا لشمس والقمر والسماوات والأرض ومنحنا التصرف في السحب والرياح والأمطار، فقد بسط نعمته في كلّ مكان وجعل الجميع يتغذى على رزقه، والحقّ أنّ شكر النعمة المودع في فطرة كلّ إنسان يسوقه إلى معرفة المنعم.
ثم تساءل عليه السلام ترى ما العامل الذي يصد الإنسان عن السبيل ويسوقه إلى العذاب الأليم مع وجود كلّ هذه الدوافع القوية؟ فقال:
«ولكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ! [١]».
فقد أشار الإمام عليه السلام هنا إلى سببين رئيسيين، لأنّ المراد من القلوب العقول التي تتعطل عن المعرفة أثر الهوى والهوس وسائر الآفات، والمراد من البصائر عيون البصيرة التي تطرح عليها حجب المعصية والتعصب وحبّ الذات.
وبالطبع فإنّ هذه الأمور طارئة على أصل الخلقة بل الغفلة والهوى والهوس
[١]. «مدخولة» من مادة «دخل» على وزن «دغل» بمعنى الفساد.