منتخب حكم النبيّ الأعظم صلّي الله عليه و آله - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٩٦
المجموعة الثانية : الأحاديث الّتي تدلّ على أنّ عددا من الناس خُلقوا للجنّة وخُلق عدد آخر منهم للنار ، وكلّ واحد منهم لايمكنه فعل إلّا ما خُلق له كما يروي عمران بن حصين ذلك قائلاً : قيلَ : يا رَسولَ اللّه ِ ، أعُلِمَ أهلُ الجَنَّةِ مِن أهلِ النَارِ؟ قالَ : فَقالَ : نَعَم ، قالَ : قيلَ : فَفيمَ يَعمَلُ العامِلونَ؟ قالَ : كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ . [١] المجموعة الثالثة : الأحاديث الّتي تعتبر في الظاهر سعادة البشر وشقاءهم أمرا مقدّرا ومفروغا منه ، ومع ذلك فإنّها توصي بالعمل مستدلّةً بأنّ الذين هم أهل السعادة يوفّقون للأعمال الّتي توصلهم إلى سعادتهم المقدّرة ، وأمّا أهل الشقاء فإنّهم يوفّقون للأعمال الّتي تنتهي بهم إلى مصيرهم المشؤوم ، مثل ما نقل عن عمر بن الخطّاب من أنّه قال للنّبيّ صلى الله عليه و آله : يا رسولَ اللّه ِ ، أرَأَيتَ ما نَعمَلُ فيهِ أمرٌ مُبتَدَعٌ أو مُبتَدَأٌ أو أمرٌ قَد فُرِغَ مِنهُ؟ قالَ : أَمرٌ قَد فُرِغَ مِنهُ ، فَاعمَل يَابنَ الخَطّابِ ، فَإِنَّ كُلّاً مُيَسَّرٌ ، فَأَمّا مَن كانَ مِن أهلِ السَّعادَةِ فَإِنَّهُ يَعمَلُ لِلسَّعادَةِ ، وَمَن كانَ مِن أهلِ الشَّقاءِ فَإِنَّهُ يَعمَلُ لِلشَّقاءِ . [٢]
ملاحظات لفهم الأحاديث المذكورة :
لبيان هذه الأحاديث ، من الضروريّ الالتفات إلى ثلاث ملاحظات :
١ . التعارض مع القرآن والأحاديث القطعيَّة الصدور
إنّه إذا كان المراد من هذه الأحاديث إلغاء حرّية الإنسان في تعيين مصيره وعاقبته ، وسلب الإرادة والمشيئة الإلهية في تغيير مصير الإنسان والعالَم ، فإنّ هذه الأحاديث الآحاد لا تعارض الأحاديث المتواترة والسنّة القطعيّة لرسول اللّه صلى الله عليه و آله فحسب ، بل إنّها تتعارض مع صريح القرآن الكريم ، بل ومع فلسفة بعثة الأنبياء، وبناءً على ذلك فإنّها مردودة ولا يمكن قبولها على فرض صحّة أسانيدها .
٢ . عدم تعارض علم اللّه عز و جل مع إرادته وحرية الإنسان
من الممكن أن تكون هذه الروايات كناية عن العلم الأزلي للّه تعالى بالاُمور المذكورة ، بمعنى أنّ اللّه تعالى ، يعلم من سيكون شقيّا ، ومن سيدخل الجنّة ، ومن سيدخل النار، وباختصار : فإنّ اللّه ـ تعالى ـ يعلم المصير الدنيوي والاُخروي لجميع الناس، ولكنّ الملاحظة المهمّة والدقيقة هي أنّ علم اللّه ، ليس علّة للمعلوم ، بل هو تابع له ، لا متبوع له كما ظنّ الأشاعرة وأتباعهم . بناءً على ذلك ، فإنّ العلم الأزلي للّه ـ تعالى ـ لا يتعارض ؛ لا مع إرادته ومشيئته ، ولا مع إرادة الإنسان واختياره في تعيين مصيره. بعبارة اُخرى : فإنّ المراد من الأحاديث المذكورة ، أنّ اللّه ـ تعالى ـ يعلم كيف سيعيّن الإنسان باختياره مصيره في الدنيا والآخرة ، فهل سيكون شقيّا، أم سعيدا؟ وهل سيكون من أهل الجنّة ، أو من أهل النار؟ حيث ذكر هذا المعنى بوضوح في بعض
[١] صحيح مسلم: ج ٤ ص ٢٠٤١ ح ٩ .[٢] مسند ابن حنبل : ج ٢ ص ٣٧٠ ح ٥٤٨٢ .