منتخب حكم النبيّ الأعظم صلّي الله عليه و آله - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤١
حياتهم بالفساد، هي من وجهة نظر القرآن جزء من العقاب على أعمالهم ، وهذا العقاب ليس تعاقديّا واعتباريّا ، بل هو عقاب تكوينيّ والنتيجة الطبيعية للفعل القبيح الّذي يرتكبه المجرم . وقد ابتليت على مرّ التاريخ اُمم مختلفة بالزلازل والسيول والبلايا المختلفة ، واعتبر القرآن هذه البلايا النتيجة الطبيعيّة لسيّئاتهم ، فجاء في سورة العنكبوت بعد استعراض مصير قوم نوح وإبراهيم ولوط وتمرّد قوم عاد وثمود، ومواجهة قارون وفرعون وهامان للرسل وامتناعهم عن قبول دعوتهم: «فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَ مِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَ مِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْـلِمَهُمْ وَ لَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْـلِمُونَ» . {-١-}
ب ـ التأديب
إنّ الهدف من بعض المصائب والبلايا الّتي يواجهها الإنسان، هو تأديبه وتحذيره من خطر الذنوب والانحرافات، يروى عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله في هذا المجال: ان البَلاءَ لِلظّالِمِ أَدَبٌ . [٢] ويبّين القرآن الكريم، دور مشاكل الحياة في توعية الناس قائلاً: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» . [٣]
ج ـ التمحيص
يمثّل تمحيص الإنسان وتطهيره من الذنوب حكمة اُخرى من حكم مصائب الحياة ومشاكلها ؛ فإنّ العمل السيّئ يلوّث روح الإنسان ويدنّس قلبه : «كَلَا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ» . [٤] وبلايا الحياة ومصائبها، هي من عوامل جلاء صدأ الذنوب وتطهير النفس من أرجاسها، فروح الإنسان تتطهّر وتصفو في بوتقة المصائب، وقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله في هذا الصدد: ما يُصيبُ المُؤمِنَ مِن وَصَبٍ ، ولا نَصَبٍ ، ولا سَقَمٍ ، ولا حَزَنٍ ؛ حتّى الهَمِّ يَهُمُّهُ ، إلّا كُفِّرَ بِهِ مِن سَيِّئاتِهِ . [٥] وعلى هذا الأساس، فإنّ مصائب الحياة تعدّ من النعم الإلهيّة الكبرى لأهل الإيمان ، كما روي عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام : للّه ِِ فِي السَّرّاءِ نِعمَةُ التَّفَضُّلِ ، وفِي الضَّرّاءِ نِعمَةُ التَّطَهُّرِ . [٦]
٢ . المصائب البنّاءة
الهدف والحكمة من بعض شرور الحياة ومصائبها وبلاياها، اختبار الإنسان وبناؤه، حيث
[١] العنكبوت: ٤٠ .[٢] راجع : جامع الأخبار : ص ٣١٠ ح ٨٥٢ .[٣] الروم: ٤١ .[٤] المطففين : ١٤ .[٥] صحيح مسلم : ج ٤ ص ١٩٩٣ ح ٥٢ .[٦] تحف العقول : ص ٣٦١ .