منتخب حكم النبيّ الأعظم صلّي الله عليه و آله - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٨١
تقوّم الثروة على نحوٍ مطلق ؛ كالعلم بوصفه ظاهرة في نظام الخلقة والتكوين ويكون في خدمة الإنسان ومع حوائجه ، في مقابل الفقر الذي يُقوّم كالجهل بإزاء متطلّبات الإنسان. أمّا في الرؤية الثانية فينظر إلى الثروة في نطاق الدور الذي تنهض به على صعيد الحياة. يمكن التعبير عن هذه الملاحظة بالصيغة التالية: إنّ ما يكون موضوعا للتقويم في اللّحاظ الأوّل هما الثروة والعلم، وما يكون موضوعا له فياللحاظ الثاني هما الثريّ والعالِم. عندما يُطَلّ على الثروة من زاوية وجودية ويتمّ تقويمها من هذا المنطلق، فهي بلا ريب تعدّ قيمة في مقابل الفقر ونعمة، تماما كالعلم في مقابل الجهل. أمّا عندما يتمّ تقويم الثروة انطلاقا من طبيعة علاقتها بالإنسان الثريّ فستكتسب المعادلة صيغا اُخرى؛ فكما لا يعدّ العلم نافعا لكلّ عالم ولا الجهل ضارّا بكلّ جاهل، فكذلك تكون الثروة؛ فليس كلّ فقير منتفعاً بالثروة كما ليس كلّ فقير متضرّرا من الفقر، بل الأمر هو ماعبّر عنه الإمام أمير المؤمنين في قوله عليه السلام : «رُبّ غِنَىً أورَثَ الفَقرَ الباقِي»، [١] و «رُبَّ فَقرٍ عادَ بِالغِنَى الباقِي»، [٢] و«كَم مِن مَنقوصٍ رابِحٍ ومَزيدٍخاسِرٍ!». [٣] تأسيسا على هذه الحالة، عندما تقوّم الثروة انطلاقا من طبيعة صلتها بالثريّ وينظر إلى الفقر من خلال طبيعة صلته بالفقير، لا نستطيع أن نجزم بأنّ الثروة تعدّ قيمةً بالمطلق، تماما كما لا نستطيع أن نجزم بأنّ الفقر يعدّ حالة منافية للقيمة بالمطلق. بل يكون الأجدى ممارسة التقويم من خلال النتائج، فإذا ما استفاد الثريّ من الثروة على ما يرام فستمثّل الثروة قيمة، وإذا ما أساء فستتحوّل إلى الضدّ تماما. وهكذا بالنسبه إلى الفقر، فإذا ما جرّ الفقير إلى الذلّ والدمار فهو عنصر سلبي، وإذا ما قادت الفقير مواقفُه الصحيحة من الفقر إلى الغنى وصارت باعثا لكماله، فالفقر قيمة عندئذٍ. بشكل عامّ توفّرت الفصول الخمسة الاُولى من الكتاب على تناول موضوع التنمية الاقتصادية من خلال الرؤية الاُولى. أمّا نصوص الفصل السادس فقد أطلّت عليه من خلال الرؤية الثانية، وبالنتيجة ما ثمّة تعارض بين الاثنين.
[١] غرر الحكم: ح ٥٣٢٨ .[٢] غرر الحكم: ح٥٣٢٧ .[٣] غرر الحكم: ح ٦٩٦٠ .