منتخب حكم النبيّ الأعظم صلّي الله عليه و آله - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢٦
الباب التاسع : الخير
كلام حول «الخير»
يعدّ معنى «الخير» ومثله البرّ والإحسان والحسنة ـ والذي يأتي في مقابل الشرّ والمنكر والإثم والإساءة والسيّئة ـ واضحا وبديهيا.
معرفة الخير والشرّ فطرية
يستطيع كلّ إنسان ـ مهما كان انتماؤه العقيدي وإطاره الفكري والمذهبي ـ تحديد حُسن الخير وجماله وقبح الشرّ وسوئه على نحو فطري . بتعبير آخر : يمكن القول بأنّ معرفة الخير والشرّ ممارسة ممزوجة بذات الإنسان وبحقيقته وبتكوينه الفطري ، فالناس خلقوا جميعا بحيث يميلون صوب الخير ذاتا وينفرون من الشرّ طبعا وجبلّة. [١]
حاجة العقل والفطرة إلى الوحي
ثمّ نقطة على غاية قصوى من الأهمية وتستحقّ الكثير من الدقّة ، تتمثّل في أنّ العقل والفطرة غير قادرين على تشخيص موارد الخير والشرّ ومصاديقهما كافّة ؛ لأنّهما لا يحيطان بجميع المصالح والمفاسد ، بل أكثر من ذلك ، فقد يظنّ الإنسان أنّ أمرا ما هو «خير» نتيجة اُلفته به ، كما قد يحسب أنّ أمرا آخر هو «شرّ» لغياب الآصرة التي تربطه به ، والحقيقة غير ذلك . لهذا يحذّر القرآن من هذه الحالة بقوله : «وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْـئا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْـئا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ» . [٢] على هذا الأساس ، يحتاج العقل والفطرة إلى الوحي ؛ بغية تشخيصهما الخير والشرّ على نحو تام وفي جميع الموارد . فالوحي ـ بوصفه مبدأ يحيط بجميع المصالح والمفاسد ـ بمقدوره أن يعرض أكمل برنامج حياتي ينهض بتأمين السعادة الدائمة للإنسان .
الخير وزير العقل
في الحديث المشهور عن الإمام الصادق عليه السلام في تبيين جنود العقل والجهل،عُدّ الخير أوّل جنود العقل، في حين عُدّ الشرّ أوّل جنود الجهل ، ونصّ الحديث : ثُمَّ جَعَلَ لِلعَقلِ خَمسَةً وسَبعينَ جُندا .. . فَكانَ مِمّا أعطَى العَقلَ مِنَ الخَمسَةِ وَالسَّبعينَ الجُندَ : الخَيرُ ؛ وهُوَ وَزيرُ العَقلِ ، وجَعَلَ ضِدَّهُ الشَّرَّ ؛ وهُوَ وَزيرُ الجَهلِ. [٣] جاء العقل هنا بمعنى الوجدان الأخلاقيّ [٤] ، ومن ثَمَّ صار الالتزام بأفعال الخير موجبا لتقويته ، واجتراح أفعال الشرّ موجبا لتضعيفه . ولمّا كان الخير
[١] جاء في معجم مقاييس اللغة : «الخاء والياء والراء أصله العطف والميل ، ثمّ يُحمَل عليه . فالخير خلاف الشرّ ؛ لأنّ كلّ أحد يميل إليه». كما جاء في معنى «المعروف» ما نصّه : «العين والراء والفاء أصلان صحيحان ، يدلّ أحدهما على تتابع الشيء متّصلاً ببعض ، والآخر يدلّ على السكون والطمأنينة ... والعرف : المعروف ، وسُمّي بذلك لأنَّ النفوس تسكن إليه».[٢] البقرة : ٢١٦ .[٣] الكافي : ج ١ ص ٢١ ح ١٤ .[٤] راجع : العقل والجهل في الكتاب والسنة : (المدخل/ إستخدام العقل في ما يخصّ مبدأ الإدراكات/ الوجدان الأخلاقي) .