منتخب حكم النبيّ الأعظم صلّي الله عليه و آله - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٩٩
على ضوء هذه الإيضاحات ، فإنَّ ما ينبغي دراسته على هذا الصعيد ، مسألتان: الاُولى : تصفيد الشياطين وغلّها في شهر رمضان . الثانية : البحث عن العوامل الكامنة وراء اجتراح الخطايا وظهور الذنوب في هذا الشهر ، على الرغم من تصفيدالشياطين وغياب دورها الإغوائي .
علّة تصفيد الشياطين في شهر رمضان
تفيد عملية دراسة النصوص الإسلامية وتحليلها ، وجود علّتين لغلّ الشياطين ومنعها في شهر رمضان ، على النحو الّذيتأتي فيه العلّة الثانية في طول العلّة الاُولى . وهاتان العلّتان هما : العلّة الاُولى : الممانعة الطبيعية للصيام يُزيل الصوم على نحو طبيعي الأرضية الّتي تتحرّك عليها سلطة الشيطان للتأثير على الإنسان وإغوائه ، وبتعبير أدقّ ليست السلسلة الّتي تقيّد الشيطان وتغلّه في شهر رمضان سوى الصوم نفسه ، ومن هنا ما جاء عن النَّبي فيقوله صلى الله عليه و آله : إنَّ الشَّيطانَ لَيَجري مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ فَضَيِّقوا مَجارِيَهُ بِالجُوعِ. [١] العلّة الثانية : اللطف الإلهي الخاص بالإضافة إلى الرصيد الّذي يوفّره صوم شهر رمضان للصائمين طبيعيا ، متمثّلاً باحتواء سلطة الشيطان وردع إغواءاته عنهم ،فإنَّ هذه الممارسة العبادية تتحوّل بنفسها إلى أرضية لانهمار ألطاف اللّه عليهم وشمولهم بها ، وحينئذٍ فإنَّ ما جاء في الأحاديث من تصفيد الشياطين ، وغلّها في هذا الشهر إنّما هو إشارة لهذا المعنى . بعبارة اُخرى ، إنَّ اللطف الإلهي ليس جزافا حتّى يصحّ السؤال : لماذا لم يمنع سبحانه سلطة الشياطين ويحول بينها وبين الإنسان في بقيّة الشهور ؟ كلّا ، إنّما ينشأ مبدأ التوفيق الرباني واللطف الإلهي من واقع اختيار الإنسان نفسه ، ودخوله في رحاب الضيافة الرمضانية .
علّة عدم الانتفاع من غلّ الشياطين
لو تفقد سلطة الشياطين على الإنسان في هذا الشهر على الأقل بالنسبة إلى الصائمين ، لماذا نرى غفلة الصائمين وابتلاءهم بالخطايا والذنوب في هذا الشهر أحيانا نسبية تصفيد الشياطين إنَّ السلسلة الّتي تقيّد الشيطان يتألّف قوامها من صوم شهر رمضان نفسه وليس من شيءآخر ، على هذا فكلّما اتّسم الصوم بالإتقان والتكامل ، زاد ذلك من إحكام السلسلة الّتي تغلّ الشيطان وتردع النفس الأمّارة ، ومن ثَمَّ أدّى ذلك إلى تضاؤل الغفلة والانحرافات الناجمة عنها .
[١] إحياء علوم الدين : ج ١ ص ٣٤٧ ؛ المحجّة البيضاء : ج ٥ ص ١٤٨ ، عوالي اللآلي : ج ١ ص ٢٧٣ ح ٩٧ و ص ٣٢٥ ح ٦٦ ، بحار الأنوار : ج ٧٠ ص ٤٢ . أقول : قد ورد هذا الحديث من دون قوله : « فضيّقوا مجاريه بالجوع» في المصادر التالية : صحيح البخاري : ج ٦ ص ٢٦٢٤ ح ٦٧٥٠ ، سنن ابن ماجة : ج ١ ص ٥٦٦ ح ١٧٧٩ ، مسند ابن حنبل :ج ٤ ص ٣١٣ ح ١٢٥٩٣ و ص ٥٦٨ ح ١٤٠٤٤ ، سنن الدارمي : ج ٢ ص ٧٧٦ ح ٢٦٨٠ .