منتخب حكم النبيّ الأعظم صلّي الله عليه و آله - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨
الباب الثّاني : العلم والحكمة والمعرفة
تحقيق حول معنى «العلم» ، «الحكمة» و «المعرفة»
العلم لغة واصطلاحا
العلم لغة هو الادراك وهو نقيض الجهل . كما أنّ كلمتى «المعرفة والعرفان إدراك الشيء النابع عن التدبر في آثاره ، والعرفان نقيض الانكار . والحكمة لغة مشتقة من الجذر «حكم» الذي هو بمعنى المنع ؛ لان الحكم العادل مانع من الظلم ، ويسمى اللجام الذي يوضع في فم الفرس والدواب «حكمة» لانه يمنع الحيوان عن مخالفة راكبه . وعلى هذا الأساس سُمّي العلم «حكمة» لأنه يمنع من الجهل . [١]
العلم والمعرفة في القرآن والحديث
«قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَـبِ» . [٢] لم يُقدِّر دين من الأديان العلمَ والحكمة كتقديرهما من قبل الإسلام ، ولم يُحذِّر أيٌّ من الأديان الناسَ من خطر الجهل كتحذير الإسلام . إنّ العلم في الإسلام أُسّ جميع القيم ، والجهل أصل المساوئ والمفاسد الفرديّة والاجتماعيّة كلّها . يرى الإسلام أنّ الإنسان بحاجة إلى العلم والمعرفة في كلّ حركة من حركاته . ولابدّ لعقائده ، وأخلاقه ، وأعماله أن تقوم على دعامة علميّة . وتوضيح ذلك أنّ للعلم في الإسلام حقيقة وجوهرا ، وظاهرا وقشرا . وتعدّ ضروب العلوم المتداولة ـ الإسلاميّة وغير الإسلاميّة ـ قشور العلم ، أمّا حقيقة العلم والمعرفة فهي شيء آخر . لأنّ حقيقة العلم نور يرى به الإنسان العالم كما هو ، ويعرف منزلته الوجودية بسببه ، ولنور العلم درجات ، أرفعُها لا يدل المرء على طريق تكامله فحسب وانما يدفعه في هذا المسار ، ويبلغ به المقصد الأعلى للإنسانيّة . لقد تحدّث القرآن الكريم عن هذا النور بصراحة ، فقال : «أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِى الظُّـلُمَـتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا» ؟! [٣] ودليلنا على أنّ هذا النور هو حقيقة العلم ، وجميع العلوم المتعارفة قشرٌ له ، هو أنّ قيمة العلوم المذكورة مرتبطة به . وجوهر العلم هو الذي يهب العلم قيمة حقيقيّة ، أي يجعله في خدمة الإنسان وتكامله وسعادته ، وبغيره لا يفقد العلم مزاياه وآثاره فحسب ، بل يتحوّل إلى عنصر مضادّ للقيم الإنسانيّة .
[١] الحاء والكاف والميم أصل واحد وهو المنع . وأول ذلك الحكم وهو المنع من الظلم . وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها ... والحكمة هذا قياسها لأنها تمنع من الجهل» (معجم مقاييس اللغة : ج ٢ ص ٩١) .[٢] الزمر : ٩ .[٣] الأنعام : ١٢٢ .