التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٢ - البداء في كفة الميزان(موضعه من صفاته تعالى الجمال والجلال)
قال: ومذهب السلف قاطبة أنّ الأُمور كلّها بتقدير اللّه تعالى، كما قال تعالى: «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ».[١]
وقال- في باب جفّ القلم على علم اللّه-: هذا لفظ حديث أخرجه أحمد، وصحّحه ابنحبّان من طريق عبداللّه بنالديلمي عن عبداللّه بنعَمْرو:[٢] سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول:
إنّ اللّه عزّوجلّ خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذٍ اهتدى، ومن أخطأه ضلّ. [قال:] فلذلك أقول: جفّ القلم على علم اللّه، أو جفّ القلم بما هو كائن.
قال: إنّ عبداللّه بنطاهر أمير خراسان للمأمون، سأل الحسين بنالفضل[٣] عن قوله تعالى: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ»[٤] مع هذا الحديث (حديث الجفّ)!؟ فأجاب: هي شؤون يُبديها، لا شؤون يبتديها.[٥] فقام إليه وقبّل رأسه.[٦]
وهذا الذي ذكره الحسين بنالفضل تأويل ظاهري لمسألة البداء، على ما هو معروف، كما أسلفنا عن ابنحجر في شرح حديث الأقرع والأبرص والأعمى.
وخلاصته: أنّ كونه تعالى كلَّ يوم في شأن. إنّما هو في ظاهر الأمر، حيث مظاهر الكون في تغيير وتحوّل مستمرّ، وكلّ شيء هو في خلق جديد. أمّا الواقع فكلّ ما بالوجود فإنّه مقدَّر في الأزل معلوم حدوثه في ظرفه الخاصّ، علما تعلّق به في الأزل القديم. فكلّ
[١] - الحجر ٢١: ١٥.
[٢] - هو عبداللّه بنعمرو بنالعاص، أسلم قبل أبيه، وكان اسمه العاص فغيّر رسول اللّه صلى الله عليه و آله اسمه إلى عبداللّه. وكان مفسّرا للقرآن، ويراجع أهل الكتاب. وهو أوّل من اعتمد الإسرائيليات في التفسير وفي الحديث عن الخليقة. ممّا ذكرناه في موضعه. مات سنة ٦٥ وهو ابن ٧٢. الإصابة، ج ٢، ص ٣٥٢.
[٣] - الحسين بنالفضل البجلي الكوفي العلّامة المفسّر أبوعلي نزيل نيسابور. قال ابنحجر: كان من كبار أهل العلم والفضل. قال الحاكم: كان إمام عصره في معاني القرآن. وأنزله عبداللّه بنطاهر في الدار التي ابتاعها له سنة ٢١٧ فبقى فيها يُعلّم الناس العلم ٦٥ سنة. ومات وله ١٠٤ سنين. لسان الميزان، ج ٢، ص ٣٠٨.
[٤] - الرحمان ٢٩: ٥٥.
[٥] - أيّ كلّ يوم يُبدي ما سبق في علمه، لا أنّه تعالى يُبدع خلقا جديدا لم يكن في سابق علمه.
[٦] - فتح الباري بشرح البخاري، ج ١١، صفحات ٤١٦ و ٤٣٠- ٤٣١، وج ٩، ص ١٠٣. وهذه القصة حكاها الزمخشري في التفسير ذيل الآية رقم ٢٩ من سورة الرحمان. الكشاف، ج ٤، ص ٤٤٨.