التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٩ - ما الآيه تمسكت الاشاعره بها بالجبر من الله
قال: «والدليل على أنّ كلّ ما فَعَله فله فِعلُه، أنّه المالك القاهر الذي ليس بمملوك ولا فوقه مبيح ولا آمر ولا زاجر ولا حاظر، ولا من رسم له الرسوم وحدّ له الحدود، فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء، إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا لأنّا تجاوزنا ما حُدّ ورُسم لنا، وأتينا مالم نملك إتيانه، فلمّا لم يكن الباري مملكا ولا تحت أمر لم يقبح منه شيء ...».
«فإن قال قائل: فإنّما يقبح الكذب لأنّه قبّحه. قيل له: أجل ولو حسّنه لكان حسنا ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض ...».[١]
والجواب: أنّه قد ثبت بالبرهان القاطع وبالضرورة من الدين، أنّه تعالى حكيم لايفعل عبثا ولا يخلق ما لا فائدة وراءه ولا غرض في الإيجاد: «وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ، وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ».[٢]
إذن فإنّما لايُسأل تعالى عمّا يفعل، للقطع بأنّ جميع ما يفعله صواب وكان وفق الحكمة والمصلحة الداعية إلى الإيجاد، فكلّ ما يفعله تعالى حسن بلاريب. وإنّما يُسأل عن السبب الداعي، إذا كان الفاعل ممّن يصدر عنه قبيح إلى جنب أعماله الحسنة. الأمر الذي لايحتمله أفعال الحكيم على الإطلاق.
وهذه الآية الكريمة كناية عن كمال عزّته تعالى «يَفْعَلُ ما يَشاءُ» و «يَحْكُمُ ما يُرِيدُ».[٣] لكنّها عزّة مشفوعة بالحكمة والعدل، ومن ثمّ فهو تعالى عزيز حكيم. عزيز لايغلب على أمره ولا يعجز عن تنفيذ إرادته. حكيم لايفعل إلّا الصواب ولا يحكم إلّا بالحقّ ولا يهدي إلّا إلى سواء الطريق.
قال أهل العدل: لمّا كان تعالى عالما بقبح القبائح، وكان غنيا عن فعل القبيح إطلاقا، استحال أن يقع منه قبيح. فقد عرفنا- إجمالًا- بأنّ كلّ مايفعله تعالى حكمة وصواب.
وبعد هذا العلم لاموضع للسؤال الكاشف عن جهل في نفس السائل. اللّهمّ إلّا عن تفاصيل
[١] - راجع كلامه في اللُّمع: ص ١١٦- ١١٧.
[٢] - الأنبياء ١٦: ٢١- ١٨.
[٣] - الجملة الأُولى مقتبسة من قوله تعالى:« كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ». آلعمران ٤٠: ٣. والثانية من قوله تعالى:« إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ». المائدة ١: ٥.