التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٠ - فرضية الإحباط في خطوات
تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ»؟
قلنا: لاظلم مع الاشتراط، ويجوز عند العقل أن يكون استيفاء الأجر والمثوبة على الأعمال الحسنة، مشروطا بوجود علائق العبودية بين العبد ومولاه. ولايقطعها بالكفر والارتداد والخروج ضدّ مولاه في طغيان عارم.
أمّا قوله تعالى: «إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا».[١] وقوله: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ»[٢] وغيرهما من آيات، فالجواب عنها من وجهين:
الأوّل: تخصيص عموم هذه الآيات بغير من يموت على كفر، فإنّ آيات الإحباط أخصّ نسبة من هذه الآيات، والخاصّ يصلح مخصصّا للعام. فيصبح الكافر فقط محروما من الأجر إطلاقا، لا في هذه الحياة ولا في الآخرة.
الثاني: أن تبقى عمومات الأجر والجزاء على حالها في التعميم «الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ». غير أنّ المثوبات الاخروية خاصّة بالمؤمنين فالكافر كالمؤمن يرى خير عمله الحسن، لكن في هذه الحياة فقط. «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ».[٣]
وهذا الوجه الثاني أوفق بعمومات الأجر وقانون العدل والإنصاف. قال تعالى:
«وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ».[٤] فمن رحمته الواسعة هو عمومها للكافر والمؤمن مقيّدة بهذه الحياة الدنيا، أمّا في الآخرة فهي خاصّة بالمؤمنين.
وقال: «تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا».[٥]
وقال: «سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ».[٦]
[١] - الكهف ٣٠: ١٨.
[٢] - الزلزلة ٧: ٩٩.
[٣] - القصص ٨٣: ٢٨.
[٤] - الأعراف ١٥٦: ٧.
[٥] - مريم ٦٣: ١٩.
[٦] - الحديد ٢١: ٥٧.