التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٧ - الوجه
تعالى، ولا يمكن إرادة الوجه بمعنى العضو المعروف بتاتا:
قال تعالى: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ».[١] وقال: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ».[٢] ليس المعنى أنّ الباقي بعد فناء كلّ شيء هو وجهه بمعنى العضو، بل المراد: لايبقى شيء سوى ذاته المقدّسة تبارك وتعالى، أي كلّ شيء هالك إلّا هو. فجاء الوجه في هاتين الآيتين بمعنى الذات لاغير. ونستغرب كيف فسّر الأشعري وتابعوه «الوجه» في الآية بمعنى العضو! في حين أنّ هذا التفسير تحريف واضح بمدلول الآية الظاهري، يعرفه كلّ من ألقى إلى الآية نظرته ولو بدوية. نعم قد يخفى ذلك على من كان على بصره غشاوة.
وقال تعالى: «وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ».[٣] أيضا بمعنى ذاته المقدّسة، المحيطة بهذا العالم إحاطة علم وتدبير، لايخلو منه مكان ولا يحويه مكان دون مكان. والآية ردّ على اليهود كانت تزعم أنّ الصلاة تجب إلى البيت المقدّس كما كانت قبل تحويل القبلة إلى البيت الحرام، وقامت تعير على المسلمين هذا التحويل المفاجىء: إن كان الاتجاه إلى البيت المقدس اتجاها إلى اللّه- كما كان من ذي قبل- فالاتّجاه إلى الكعبة اتّجاه إلى غيره تعالى. وإن كان الاتّجاه إليه هو الاتّجاه إلى الكعبة، فالاتّجاه السابق كان إلى غيره تعالى. هذا هو الاعتراض الذي وجّهه اليهود إلى المسلمين. «سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها».[٤]
فجاءت الآية الكريمة ردّا حاسما على هذا الاعتراض، أنّه تعالى لم ينحصر في جهة أو مكان، «قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ».[٥] «وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ».[٦] أي أنّ الجهات كلّها للّه وتحت ملكه، لايختصّ به مكان دون مكان، وإنّما كانت النسبة إليه تشريفية محضة، فإن كان اللّه أمركم بالاتّجاه إلى البيت المقدس، لم يكن ذلك لسبب غير
[١] - القصص ٨٨: ٢٨.
[٢] - الرحمان ٢٦: ٥٥- ٢٧.
[٣] - البقرة ١١٥: ٢.
[٤] - البقرة ١٤٢: ٢.
[٥] - البقرة ١٤٢: ٢.
[٦] - البقرة ١١٥: ٢.