التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٥ - ما الآيه تمسكت الاشاعره بها بالجبر من الله
قد عارضوه ولم يؤمنوا به، فقوله: «كَذلِكَ سَلَكْناهُ» أي على انحراف قلوبهم واعوجاج مسالكها ومع علمنا بأنّهم لا يؤمنون به، ولكن إتماما للحجّة عليهم جعلنا من نفوذ القرآن ما يقهر كلّ الحواجز ولا يحول دون إشراق أنواره أيّ مانع، لطفا بالناس «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ».[١]
وعليه فالضمير في «سَلَكْناهُ» يعود إلى القرآن. والكناية في «كَذلِكَ» تشير إلى المعلوم من حال المجرم أنّه صمود على عناده ورفض الحقّ.
وربّما أعاد بعضهم الضمير إلى نفس التكذيب، والكناية ترجع إلى هيئة عدم الإيمان بالقرآن، فعلى هذه الهيئة نظّمناه في قلوب المجرمين وأجريناه، فهو لايجري فيها إلّا مكذّبا به، ويظلّ على هيئته هذه حتّى يروا العذاب الأليم.
وبهذا الوجه تمسّك الأشعري لإسناد كفر الكافر إلى اللّه سبحانه فلا يستطيع الاهتداء إلى الإسلام «وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ».[٢]
وقد تقدّم الجواب عن أمثال هذه التشبّثات المنحرفة، حيث هذه التعابير في الآيات الكريمة لاتعدو مسألة «الخذلان» الذي استوجبوه على أنفسهم بسبب إصرارهم على رفض الحقّ والإطاحة بحظّهم إلى المهوى السحيق.[٣]
١٨٧- وهكذا قوله تعالى: «كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ»،[٤] يحتمل التفسيرين، والإجابة على الوجه الثاني هي الإجابة في الآية المتقدّمة.
١٨٨- «وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ. وَ ما يَنْبَغِي لَهُمْ وَ ما يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ».[٥] أرجع الأشعري ضمير الجمع إلى المجرمين تدليلًا على عدم استطاعتهم على قبول الحقّ.
لكنّه تحريف فظيع بكلامه تعالى، حيث يعود الضمير إلى الشياطين، وإنّهم لايستطيعون التنزّل بالقرآن، وإنّما «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ.
[١] - النساء ١٦٥: ٤.
[٢] - الزمر ٢٣: ٣٩.
[٣] - راجع رقم ٢، ٤، ٣١ وغيرها.
[٤] - الحجر ١٢: ١٥- ١٣.
[٥] - الشعراء ٢١٠: ٢٦- ٢١٢.