التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦ - لماذا في القرآن متشابه؟
لماذا في القرآن متشابه؟
ولعلّ معترضا يقول: هلّا كانت جميع آي القرآن محكمات، فكان ذلك أسلم من الالتباس وأقرب إلى طرق الاهتداء العامّ!
قال الإمام الرازي: من الملاحدة من طعن في القرآن، لأجل اشتماله على المتشابهات، إذ كيف يكون القرآن مرجع الناس في جميع العصور، مع وفرة دواعي الاختلاف فيه، حيث يجد صاحب كلّ مذهب مأربه في القرآن، بسبب اختلاف آياته في الدلالة والردّ. الأمر الذي لا يليق بالحكيم تعالى أن يجعل كتابه المبين معرضا للجدل وتضارب الآراء، فلو كان جعله نقيا من المتشابهات المثيرة للشبهات، كان أقرب إلى حصول الغرض والمقصود من الهداية العامّة.[١]
وقد عالج ابنرشد الأندلسي- الفيلسوف العظيم- هذه الناحية معالجة دقيقة، صنّف فيها الناس إلى ثلاثة أصناف: صنف العلماء، وعنى بهم من في طبقته من أرباب الحكمة العالية، وصنف الجمهور، وهم عامّة النّاس ممّن لم يحظوا بحلى العلم شيئا، وصنف بين بين، لا هم في مستوى العلماء ولا مع العامّة، وعنى بهم أرباب المذاهب الكلامية من الأشاعرة وأصحاب الاعتزال.
قال: وهذا الصنف الأخير، هم الذين يوجد في حقّهم التشابه في الشرع، وهم الذين ذمّهم اللّه تعالى. وأمّا عند العلماء فليس في الشرع تشابه، لأنّهم يعرفون من كلّ آية وجه تخريجها الصحيح الذي قصده الشرع، والجمهور لايشعرون بالشكوك العارضة، بعد أن كانوا أخذوا بالظواهر واستراحوا إليها من غير ترديد.
قال: إنّ التعليم الشرعي هو كالغذاء النافع لأكثر الأبدان، نافع للأكثر وربّما ضرّ بالأقلّ، ولهذا جاءت الإشارة بقوله تعالى: «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ».[٢] وهذا إنّما يعرض
[١] - التفسير الكبير، ج ٧، ص ١٧١.
[٢] - البقرة ٢٦: ٢.