التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٤ - تنزيه الأنبياء
فلا يحصل له من العامّة ذلك الانقياد والاستسلام التامّ إذا عرفوا منه ذلك. ولأنّ النبيّ يجب أن يُتّبع في جميع أفعاله وأقواله، وهل إذا فعل فاحشة- فرضا- يتابعوه فيها أو يمانعوه، والأول نقض لغرض الرسالة، والثاني استصغار بشأنه وقلب لموقفه من كونه منكِرا على الناس قبائحهم، فأصبح هو منكَرا عليه. ومن القبيح جدّا أن يكون الآمر بالمعروف تاركا له، والناهي عن المنكر فاعلًا له «أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ»[١] أي أفلا تشعرون بقبح هذا الموقف المتناقض في نظر العقلاء!
قالت الإماميّة: جلّ هذا الاستدلال يعمّ حالته قبل البعثة وبعدها. من غير فرق بين الخطايا أن تكون كبيرة أو صغيرة، بعد أن كانت كلّها ممّا يسلب الثقة به وموجبا لتنفّر طباع الناس منه.
ولسنا الآن بصدد البحث عن مسألة العصمة وجوانبها المترامية. لأنّه خارج عن موضوع كتابنا، وإنّما يهمّنا جانب شبهات ربما تعلّقت بها أصحاب الحشو من المسلمين، وغيرهم من الملحدين. فجوّزوا على الأنبياء ارتكاب الذنوب والخطايا إطلاقا حتى على عهد بعثتهم إلى الناس. وتمسّكوا بآيات زعموها ظاهرة في ذلك، وأضافوا إليها أباطيل حاكتها أقاصيص إسرائيلية روّجها العهد الأموي الغاشم فأدخلوها في التفسير بقوّة المال والسيف!.
*** ولنستعرض الآيات قبل كلّ شيء، ونتبعها بتأويلاتها السليمة أو المأثورة بأسانيد صحيحة عن مهابط وحي اللّه عليهم السلام وهم أدرى بما أراده اللّه تعالى في كتابه العزيز الحميد.
وستكون مترتّبة حسب ترتيب النبوّات، من لدن آدم عليه السلام إلى نبيّا صلى الله عليه و آله. ونحاول- مبلغ جهدنا- الاقتصار والاختصار[٢] في إيجاز وافٍ إن شاء اللّه وبحوله وقوّته:
[١] - البقرة ٤٤: ٢.
[٢] - ولقد كفانا مؤنة التفصيل ماذكره الشريف المرتضى قدس سره وأثبته في كتابه القيّم« تنزيه الأنبياء». فقد أودع فيه من غرر الكلام ومحكم البرهان مايغني عن البيان جزاه اللّه من بطل مدافع عن الإسلام خير جزاء.